مسحراتي دمشق بين الطقوس والتطور   
السبت 1430/9/15 هـ - الموافق 5/9/2009 م (آخر تحديث) الساعة 13:14 (مكة المكرمة)، 10:14 (غرينتش)

 المسحراتي عمر الأعرج بلباسه التقليدي وطبلته الشهيرة (الجزيرة نت)

 

محمد الخضر-دمشق

 

لم يغب المسحراتي عن الدمشقيين في رمضان رغم التغير الاجتماعي الكبير وانحسار الحارات الشعبية ودخول التقنيات الحديثة إلى كل منزل.

 

وتغيرت النظرة إلى المسحراتي لدرجة كبيرة حتى في الأحياء الشعبية، فبينما يراه المؤيدون لمهمته جزءا من المشهد الرمضاني بروحانيته، يرى الرافضون أن شخصيته تبدلت وبات مصدر إزعاج.

 

أبو حسين يقوم بمهمة مسحراتي منذ ثلاثين عاما في حي الجورة ضمن دمشق القديمة، وهو يستذكر حتى اللحظة أول يوم بدأ فيه هذه المهمة، قائلا "كنا في المقهى قبل يوم من رمضان عام 1979 وجاءني المسحراتي السابق أبو حسن بعدما أصابه الضعف طالبا مني أن أتولى المهمة بدلا عنه".

 

ويضيف أنه اليوم وبعد كل تلك الأعوام يعرفه كل أبناء الحارة الكبير والصغير وينادونه بلقب "المسحر" باللهجة الشامية.

 

وتبدأ مهمة أبو حسين قبل نحو ساعتين من موعد أذان الفجر وتستغرق جولته نحو الساعة، ويحمل المسحراتي معه طبلة صغيرة ومميزة بصداها مرددا العبارات المألوفة "يا نايم وحد الدايم، يا نايم وحد الله، يا نايم قوم لسحورك". وتدفع علاقة أبو حسين بأهل الحي للطرق على الأبواب ومناداة أصحابها بأسمائهم كي يطمئن إلى أنهم قد استيقظوا.

 

أما عمر الأعرج أبو صلاح فيقوم بالمهمة ذاتها في حي الشيخ إبراهيم شمال العاصمة السورية، وهو يصر على إيقاظ كل عائلة بنفسه بل ويتبادل مع من يفتح الباب له تحية الصباح.

 

ويؤكد أبو صلاح للجزيرة نت أن مهمته تتطلب صبرا وإيمانا عميقا على اعتبارها خدمة للمجتمع أولا وأخيرا، ويشير إلى وجود محبة وترحيب من أبناء حيه بما يقوم به، ويضيف "إنني ألمس محبة الناس من تصرفاتهم وتقديرهم لي طوال أيام العام"، مشيرا إلى أن الصغار منهم ينادونه تحببا بأبي طبلة، في إشارة إلى الطبلة التي يحملها معه.

 

وللمسحراتي ثلاث جولات إحداها يومية لإيقاظ الناس وقت السحور، والثانية تشمل معظم الأحياء لجمع المساعدات ويرافقه من يساعده في جولته، والثالثة صباح العيد لجمع العيديات.

تطور المجتمع قسم الآراء حول المسحراتي (الفرنسية-أرشيف)

طقس رمضان

ويؤكد القاطنون في تلك الأحياء أهمية المسحراتي في رمضان رغم قدرتهم على الاستيقاظ بفضل ساعات التوقيت.

 

ويقول محمد الأبرش (55 عاما) إنه جزء مهم من الاحتفال برمضان، لافتا إلى أن الأمر لا يتعلق بإيقاظ الناس المتاح عبر وسائل أخرى اليوم، وإنما "بطقس وتقليد روحاني نحس بقيمته كلما سمعنا صوت تكبيره".

 

وقال الأبرش إنه يتذكر المسحراتي منذ كان في الخامسة من عمره حيث كان الأهالي يقدمون للمسحراتي الطعام و"العيدية" صباح يوم عيد الفطر.

 

لكن في مقابل ذلك الترحيب بمهمة المسحراتي، ثمة معارضة واسعة لها لأسباب عدة، ويرى الداعية عبد الرزاق المؤنس أنه "لم يعد للمسحراتي من لزوم في ظل التطور الكبير في مجتمعاتنا ودخول أشخاص لا علاقة لهم بها إلا من باب التكسب المادي".

 

ويقول المؤنس للجزيرة نت أن مهمة المسحراتي تعود إلى العصر الأموي وتطورت تاريخيا فأصبح للمسحراتي في العصر الفاطمي زي خاص ومعه طبلة مميزة، أما في العصر العثماني فقد خصص للمسحراتي مكافأة خاصة من مالية الخلافة فضلا عن هدية من الطعام وقت السحور.

 

ويضيف أن الحياة اختلفت في هذا العصر والناس اعتادوا نمطا مختلفا عما كانوا عليه في الفترات التي كانت تستوجب وجود من "يسحّرها"، ويتابع "كان المسحراتي يمتلك صوتا روحانيا ورنة طبلته لها إيقاع يتذكرها كبار السن، بينما اليوم باتت المهمة الروحانية وسيلة للعيش يأتي أي شخص ليقرع طبلا ويصرخ".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة