جدران الحدود.. ردة ونكوص أم ضرورة أمنية   
السبت 1436/11/8 هـ - الموافق 22/8/2015 م (آخر تحديث) الساعة 15:14 (مكة المكرمة)، 12:14 (غرينتش)

وكأن العالم يعود القهقرى ويشهد ردة، بعد أن ظن الناس أنه قد بدأ عصر من الانفتاح بين الشعوب، وتمثل ذلك في اندياح الحواجز الاصطناعية والجدران العازلة بين الحدود، وتُوِّج بعولمة تؤذن بتداعي حتى القيود على التجارة، وتنقلات الناس بحرية بين البلدان.

بيد أن ظاهرة جديدة قديمة بدأت تطل برأسها، ألا وهي تشييد جدران تُنذر بمستقبل للدول تعود فيه إلى عهود الانغلاق والانكفاء التي ما أن ظن الناس أنها ولَّت إلى غير رجعة حتى عادت من جديد.

لم يكن في العالم كله قبل سقوط جدار برلين الشهير في 9 نوفمبر/تشرين الثاني 1989 سوى 16 سورا أو حاجزا عازلا بين الدول. أما اليوم فقد بلغ عددها 65 جدارا أُنجزت أو هي قيد الإنجاز، حسب الباحثة إليزابيث فاليه من جامعة كيبيك في كندا.

ولعل ما دفع بالساسة إلى إقامة تلك الجدران هو ما ينتاب دولهم من هواجس أمنية ورغبة في التصدي للهجرات غير الشرعية أو غير النظامية.

فسور كجدار العزل العنصري الذي أقامته إسرائيل، وحاجز الأربعة آلاف كلم المزود بأسلاك شائكة الذي نصبته الهند على حدودها مع بنغلاديش، أو الحاجز الرملي العملاق الفاصل بين المغرب والمناطق الواقعة تحت سيطرة جبهة البوليساريو في الصحراء الغربية، شواهد على تلك الهواجس.

وفي يوليو/تموز بدأت الحكومة المجرية المحافظة ببناء حاجز يبلغ ارتفاعه أربعة أمتار على طول الحدود مع صربيا، لعرقلة تدفق اللاجئين الهاربين من أتون الحروب في سوريا والعراق وأفغانستان.

وتعزز ثلاثة بلدان أخرى هي كينيا والسعودية وتركيا وتونس حدودها لمنع تسلل المسلحين الإسلاميين القادمين من البلدان المجاورة، مثل الصومال والعراق وسوريا وليبيا.

حاجز من الأسلاك الشائكة يفصل بين الهند وبنغلاديش (غيتي/الفرنسية)

مجرد ديكور
ورغم أن تلك الجدران تشكل رموزا عدوانية، تبقى فعاليتها نسبية، كما يقول متخصصون.

وأكد مارسيلو دي سينتيو مؤلف كتاب "جدران، رحلة على امتداد السواتر"، أن "الشيء الوحيد المشترك بين كل هذه الجدران هو أنها تشكل ديكورا لمسرح". وأضاف أن هذه الجدران "تؤمن شعورا وهميا بالأمن وليس شعورا فعليا بالأمان".

ورغم هذه العقبات، يتمكن المهاجرون في الواقع من المرور. فلم يتضاءل الكوكايين على طاولات مانهاتن ولا السجائر المهربة في مونمارتر. ورغم وجود الحراس الذين يطلقون النار على كل ما يرونه، تمكن البعض من التسلل حتى من جدار برلين.

ويعتبر أنصار الجدران أن تسرب المياه أفضل من الفيضان، لكن مارسيلو دي سينتيو يقول إن من الصعوبة بمكان تجاهل العواقب النفسية لبناء تلك الحواجز والجدران.

ويتحدث عن قدامى قبيلة توهونو أودان الهندية في أميركا، الذين توفي بعضهم حزنا على ما يبدو، عندما عزلهم الجدار القائم بين المكسيك والولايات المتحدة عن بعض مواقعهم المقدسة.

ولا تُغيِّر الجدران في الواقع شيئا من الأسباب العميقة لانعدام الأمن أو الهجرة. فتشييد كل هذه السواتر لم يحدّ من ارتفاع عدد طلبات اللجوء أو الهجمات الإرهابية. بل حملت المجموعات على التأقلم فقط.

ويقول ريس جونز الأستاذ في جامعة هاواي ومؤلف كتاب "جدران حدود: أمن وحرب على الإرهاب في الولايات المتحدة والهند وإسرائيل"، إنها ليست فعالة إلا ضد المعوزين واليائسين.

وأضاف "تتوفر لكارتيلات المخدرات والمجموعات الإرهابية الوسائل للالتفاف عليها، وفي معظم الأوقات بفضل وثائق مزورة".

وقال إن "إغلاق الحدود لا يؤدي إلا إلى نقل المشكلة، فيحمل المهاجرين على عبور صحارى رهيبة أو ركوب سفن متهالكة في البحر المتوسط. وهذا لا يؤدي إلا إلى زيادة عدد الضحايا".

ولقي أكثر من 40 ألف شخص مصرعهم منذ العام 2000 لدى محاولتهم الهجرة، حسب تقرير للمنظمة الدولية للهجرة العام الماضي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة