"نازك خانم".. أسطورة دمشقية في باريس   
الاثنين 1435/1/22 هـ - الموافق 25/11/2013 م (آخر تحديث) الساعة 13:23 (مكة المكرمة)، 10:23 (غرينتش)
غلاف رواية" نازك خانم" للسورية لينا هويان الحسن (الجزيرة)
هيثم حسين
 
تهجر الروائية السورية لينا هويان الحسن في روايتها الجديدة "نازك هانم" عالم الصحراء والبادية الذي ميز كل رواياتها السابقة، وهي التي اشتهرت بانكبابها على الغوص في حياة البدو وعاداتهم وطقوسهم، وسردت ملاحمهم ومآثرهم، لتعاين عالما مختلفا وتجرب وتجدد في الشكل الروائي والمضمون معا.

تعود صاحبة "سلطانات الرمل" إلى حقبة الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين لتشير إلى الحراك السياسي والثقافي والتحرري الذي كان يسودها، وكيف أن ذلك كان يهيئ أرضية للانطلاق نحو الحداثة بعيدا عن الانكفاء والتقهقر.

تحاول لينا في روايتها - أصدرتها مؤخرا ضفاف، بيروت، والاختلاف، الجزائر - سبر فقه الكلمة ودلالات الأسماء ومعانيها وكيف أن لكل امرئ من اسمه نصيبا بطريقة ما.

فنازك هانم امرأة دمشقية تقتحم غمار الحياة الباريسية بكل صخبها وجنونها، يكون لها ولعها الخاص وتاريخها الموازي لتاريخ مدينتها. تدرس الحقوق في السوربون، ثم لا تلبث أن تترك الدراسة بعد وفاة أبيها، وتلتفت إلى عالم الأزياء، تعمل عارضة لتثير الزوابع من حولها أنى حلت وارتحلت.

تطل لينا هويان الحسن من خلال بطلتها على واقع دمشق في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، ولاسيما أن العقدين حفلا بالكثير من التغييرات والأحداث الكبرى على صعيد البلد، وشهدت دمشق متغيرات مفصلية في تاريخها الحديث

صورة دمشق ولعنتها
كأن لينا تعكس من خلال شخصية نازك هانم صورة دمشق في ذلك الوقت، حين تصفها، وتبث الحيرة بين ثنايا أوصافها، فلا تحدد إن كانت هي الصورة المشتهاة الممدوحة أم المذمومة..؟ ثم يأتي اغتيالها التالي على يد مَن يزعم حبه لها وممانعته من أجلها في حين يدمرها ويعطل الحياة فيها.

نازك جريئة مغامرة تصل حد الجنون، لا تكترث لأقوال الناس، تعاشر الأدباء والفنانين في باريس، يشاع أنها تقف أمام بيكاسو عارية كي يرسم جسدها الخلاب، كما تصادق جان جاك روسو وتتعرف إلى شخصيات مؤثرة في الوسطين الثقافي والسياسي. تطل على عالم الفن والثقافة والأدب والأزياء من خلال جمالها وذكائها وشخصيتها المتفردة التي تسطرها الكاتبة.

الفتاة الدمشقية الحسناء تنتمي بضجيجها لروح العصر الذي تقتحمه، لا تقف عند حد ولا تأبه لشيء، وكأنها في ذلك ترد على أولئك الذين يقيدون المرأة ويحسبون عليها أنفاسها، أو كأنها تقتص لغيرها من النساء المكبلات بقيود الأسرة والمجتمع فتتحرر من كل شيء، تعيش حياتها طولا وعرضا.

تعوض يتمها الباكر، وتتجاهل الظلم الذي لحق بها على يد زوجة الأب، ثم تنشغل بعشاقها والراغبين المتجمهرين حولها عادة، تشعر بسعادتها القصوى حين تحظى باهتمام جميع مَن حولها، تغويهم بعفويتها وتغريهم بجمالها وتسحرهم بأنوثتها وثقافتها.

تطل لينا هويان الحسن من خلال بطلتها على واقع دمشق في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، ولاسيما أن العقدين حفلا بالكثير من التغييرات والأحداث الكبرى على صعيد البلد، وشهدت دمشق متغيرات مفصلية في تاريخها الحديث.

ذلك أن معارك السعي للهيمنة عليها كانت متأججة، وبالموازاة من ذلك كانت الحياة الاجتماعية تشهد حراكا وتفاعلا كبيرين، وكانت هناك مناسبات، حقيقية أو مفتعلة، تستقطب مختلف الاتجاهات والتوجهات، يسعى منظموها إلى الوقوف على التخوم والتواصل مع القوى المؤثرة بغية حجز أماكن لدى مختلف التيارات، كما تطل على باريس التي كانت تشهد حراكا كبيرا على مختلف الصعد، تتوقف عند توصيفها لثورة الطلاب والاحتجاجات التي شهدتها في نهاية الستينيات، والتي شكلت بدورها منعطفا مهما في أوربا عموما. تدخل الحياة الباريسية من عالم الموضة والجمال والفن، تستعيد تفاصيل باريس بمقاهيها وباراتها وشوارعها والتحركات الكبيرة التي كانت تشهدها والنزاعات التي كانت تدور فيها.

بينما تسترسل صاحبة "بنات نعش" في تحليلها وتفكيكها للمفاهيم والدلالات تشير إلى إشكالية المصطلحات وضبابية التعامل معها

عوالم وملاحم
بين مدينة الآلام ومدينة الأحلام ترتحل نازك هانم، يرافقها القلق والإقلاق دوما، ما أن يطيب لها المقام في مكان حتى تستنفر صخبها لتثور على نفسها وارتكانها واستكانتها وتبحث عن مغامرة جديدة.

تقترن بمجيب شان، الرجل الثري القادم من إيران والمستقر في باريس، تكتشف معه وجها آخر للشرق ولباريس ولنفسها، ثم لا تلبث أن تعود إلى دمشق بعد رحيله وهي في التاسعة والثلاثين من عمرها.

وفي دمشق تصبح حديث الجميع ومحط اهتمامهم، يقع كمال بيك في حبها، وهو الثري الدمشقي المعروف، يقترن بها ويحاول فرض بعض القيود عليها، وهي التي لا تلتزم بذلك، فيحدث بينهما شقاق يتسبب بإيذائها وقتلها على يديه لاحقاً في مشهد سينمائي يتلاءم مع حياة نازك الصاخبة.

تغوص الروائية في عالم العطور، وذلك من خلال شخصية صديق نازك الذي يحدثها عن تأثيرات الروائح وماهيتها وسحرها، ثم تنتقل إلى الحديث عن العرافة ودورها وحضورها لدى طبقة النخبة السياسية.

تستعيد أسماء بعض القادة الذين كانوا يلوذون بالعرافين لقراءة طالعهم والإفصاح عن تنبؤاتهم. وتراها ترجع إلى التاريخ لتستعيد ملاحم منسية وتأثير العرافة في توجيه بعض السلوكيات للقادة ودفعهم إلى ممارسات بعينها، أو تبحث في أسرار النساء وتبرز مكائدهن للحظوة بما يسعين إليه.  
تمهد لينا لكل فصل من روايتها بمقولة لأحد المشاهير "ريلكه، نيتشه، ياروسلاف سيفيريت، بابلو نيرودا، كاتول، بيتر رسل.. وغيرهم". وتلك المقولات تنصب في خدمة نصها أو يتم توظيفها بما يتلاءم مع الاشتغال والمرام، فقد تكون بوصلة للتوجيه أو محورا تدور من حوله الحكايات.

يحضر لدى الكاتبة نوع من المساجلات الفكرية بين التيارات السياسية والأدبية والفنية، فمن احتجاجات الطلاب إلى تنظيرات الأدباء والمفكرين وتخبطهم، ثم إلى عالم الرسم والتشكيل وتحليل أعمال بيكاسو ودافنشي وغيرهما، بحيث تتماهى البطلة مع الموناليزا تارة ومع بريجيت باردو تارة أخرى، أو مع مارلين مونرو في موقف آخر، وفي العموم تحتفظ بتفردها وتبحث عن نجوميتها وتألقها.

وبينما تسترسل صاحبة "بنات نعش" في تحليلها وتفكيكها للمفاهيم والدلالات تشير إلى إشكالية المصطلحات وضبابية التعامل معها، فتبرز أن العري قد لا يكون فجيعة ولا عورة مقارنة بالممارسات وطرائق التفكير المعمول بها، ذلك أن العورات الحقيقية تكمن بطريقة التفكير بالآخر ومحاكمات المرء الغيابية له ونظرته حياله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة