هل دعم الغرب ليبيا لتطبّق الشريعة؟   
الاثنين 1432/12/12 هـ - الموافق 7/11/2011 م (آخر تحديث) الساعة 10:41 (مكة المكرمة)، 7:41 (غرينتش)

مصطفى عبد الجليل (يمين) وبجواره كاميرون وبرنار ليفي كاتب المقال (الفرنسية)

نشرت مجلة لوبوان الفرنسية مقالا للكاتب والفيلسوف الفرنسي برنار هنري ليفي ينتقد فيه بشدة إعلان رئيس المجلس الانتقالي الليبي مصطفى عبد الجليل اعتماد الشريعة الإسلامية مصدرا للتشريع في ليبيا.

حديث عبد الجليل عن الشريعة قد يكون رأيا أو رغبة أو تعهدا لأقلية من الإسلاميين، لكنه عضو في مجلس يتخذ القرارات بصفة جماعية

وقال ليفي "كيف يجب النظر إلى هذا الحديث عن الشريعة؟ هل تم دعم ثوار بنغازي للوصول إلى بناء دولة تمنع الطلاق وتعيد تعدد الزوجات؟".

وأضاف ليفي أن الأمر كله بدأ بجملة واحدة لا أكثر، ومن المؤكد أن من نطق بها ليس أحدا من عامة الناس، بل هو مصطفى عبد الجليل رئيس المجلس الوطني الانتقالي وأبو الانتصار.

وقال ليفي إن عبد الجليل بغض النظر عن كونه رئيسا فهو عضو في مجلس تُتخذ فيه القرارات بصفة جماعية. كما أن هذا المجلس عبارة عن هيئة انتقالية ليس من مهامها سن قوانين لليبيا المستقبل، ربما عبّر عبد الجليل عن رأي أو رغبة، أو تعهد قدمه لأقلية من المقاتلين الإسلاميين الذين دفعوا ثمنا باهظا من أجل التحرير.

وأضاف "حتى لو سلمنا جدلا بأنه ربما عبّر عن قناعة راسخة عنده، فهي لا وزن لها، لأننا نعلم أنه تعهد، كباقي أعضاء المجلس الوطني الانتقالي، بعدم السعي لأي منصب بعد المرحلة الانتقالية في ليبيا، ولمعرفة ما ستكون عليه ليبيا مستقبلا يجب انتظار الدستور الذي سيصدر بعد ثمانية أشهر، ثم الانتخابات العامة، ثم شكل الحكومة التي ستتكون بناء عليها. أما النظر إلى جملة صغيرة نَطق بها شخص جدير بالاحترام لكنه على وشك مغادرة المشهد السياسي، على أنها ستكون سببا في "قلب البلاد" فينبئ عن خبث وتحيُّز".

ثم تحدث ليفي عن الشريعة فقال إن هناك شريعة وشريعة، ويجب، قبل الحديث في الهواء الطلق عن الرجعية وعن الجمود، معرفة ما نتحدث عنه، فالشريعة أولا ليست كلمة بذيئة، وهي مثل كلمة "الجهاد" التي تعني "جهدا روحيا"، وترجمها الإسلاميون إلى "الحرب المقدسة".

ومصطلح "فتوى" الذي يعني "رأيا دينيا"، تعوّد العالم بعد قضية سلمان رشدي على فهمه بأنه "حكم بالإعدام"، وأصبحت كلمة الشريعة مجالا لحرب دلالية شرسة، لكنها تظل تعني بالنسبة لغالبية المسلمين -لحسن الحظ- شيئا محترما جدا. لقد ذُكر هذا المصطلح خمس مرات في القرآن، وتُرجم إلى الفرنسية بكلمة "طريق"؛ فهو ليس اسما "لمجموعة قوانين"، ولا يعني "قيودا" وقواعد شاملة، لكنه يعني مجموعة من "القيم" الخاضعة لتأويل المتخصصين، فهو مصطلح عام، بمعنى أنه يرجع للمشرعين لاقتراح تطبيق أقل أو أكثر تطورا وأقل أو أكثر صرامة.

وأكد ليفي أن كل الدول المسلمة تقريبا تجعل من الشريعة مرجعا، كما تُعتبر في أغلبها -بما فيها ليبيا في عهد القذافي اعتبارا من عام 1993- مصدرا من مصادر التشريع. أما الدول التي لا تفعل ذلك كالمغرب، فلأن الدين هناك دين الدولة. ولذا تكمن المشكلة كلها في معرفة ما يمكن وضعه تحت هذه المفردة: أهي رجم النساء الزانيات كما في إيران، وقطع أيدي السارقين كما في السعودية، أم هي مجموعة من التعاليم الأخلاقية التي يجتهد -كما يحدث في مصر- في التوفيق بينها وبين قوانين نابليون.

أما إن كان السؤال يتعلق "بالطريق" الذي ستسلكه ليبيا في المستقبل وبأن معركة جديدة أيديولوجية هذه المرة يتم فيها الفصل بين أقلية ترى في الشريعة ما يراه المتعصبون وبين أولئك الذين يرون الجمع بينها وبين المثل الديمقراطية؛ فذلك أمر طبيعي. كما أن من الطبيعي أيضا أن يكون لنا في هذه المعركة الثانية دور نلعبه، كما يقع على عاتق أصدقاء ليبيا الجديدة، وإلى الحلفاء الذين ساهموا في تحريرها من أكثر الدكتاتوريات دموية في هذا العصر، مساعدتها على تجنب الوقوع تحت نير استبداد آخر، لكن برضاها هذه المرة.

من الطبيعي أن يكون لنا دور نلعبه في معركة ليبيا الثانية، كما يقع على عاتق أصدقاء ليبيا الجديدة والحلفاء الذين ساهموا في تحريرها مساعدتها على تجنب الوقوع تحت نير استبداد آخر
وأوضح ليفي أنه يجب ألا نعيد الحديث في نسخة مدنية عن قصة الجمود التي روج لها بعضُهم لتبرير شعورهم بطول الوقت فنطلب من ليبيا المدمَّرة بعد 42 عاما من الاستبداد والتي لا توجد فيها دولة ولا تملك تقليدا قضائيا ولا مجتمعا مدنيا حقيقيا، أن تصبح خلال ثلاثة أشهر وطنا لحقوق الإنسان. فما زالت بولندا تبحث عن نفسها بعد 30 عاما من ظهور حركة "التضامن". وما زالت روسيا تحت قبضة بوتين. أما فرنسا فقد احتاجت لحقبتي رعب وإعادة تأسيس وإمبراطوريتين وحمامات دم لتعطي مضمونا لجمهورية 1789 ثم فكرة العلمانية بعد ذلك.

وقال ليفي إذا كان يراد لليبيا أن تخرج من الظلام إلى النور فستكون المعركة شرسة، وستشهد انحرافات وتراجعا ولحظات من الحيرة، لكن معرفتي الجيدة بالرجال والنساء الذين أرادوا هذه الثورة في بنغازي وفي مصراتة تجعلني متأكدا من أنهم لن يسمحوا بمصادرة حقوقهم التي حصلوا عليها بعد صراع مرير.

وختم ليفي بالقول "لقد أصبحت ليبيا مشهدا كبيرا لما يمر به العالم الإسلامي من انقسام وصراع تاريخي صار الآن ديمقراطيا بين شكلين من الإسلام، إسلام التنوير وإسلام الظلام، إسلام المعتدِلين وإسلام المتطرفين، الإسلام الذي يمد يده إلى أوروبا وإسلام الحرب بين الحضارات". وقال "لكنني أراهن على أن النصر سيكون حليف أصدقاء الحرية في هذا المشهد".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة