"كاليغولا" العراقية في عرض ببلجيكا   
الاثنين 1433/11/1 هـ - الموافق 17/9/2012 م (آخر تحديث) الساعة 13:43 (مكة المكرمة)، 10:43 (غرينتش)
مشهد من مسرحية "كاليغولا" العراقية التي تقدم مقاربة في الدكتاتورية والحرية (الجزيرة)
فاتنة الغرة-بروكسل
 
لا يعلم أحد على وجه الدقة كيف تتشكل شخصية الطاغية أو الدكتاتور، وكيف يصل به الحال إلى وضع نفسه موضع الإله الذي يسيطر على مقدرات الناس ويملك ناصية الحق والمعرفة وحده، ويستطيع تقرير المصائر وتحديد من له الحق في الحياة ومن يستحق الموت على يديه.
 
وربما تعتبر شخصية كاليغولا التي صورها الكاتب الفرنسي من أصل جزائري ألبير كامو هي أشهر شخصية دكتاتور عرفه التاريخ، وهو العمل الذي اختاره المخرج المسرحي العراقي المقيم في بلجيكا مخلد راسم ليعبّر من خلاله عن حقبة عاشها العراقيون تحت حكم دكتاتوري وحروب متواصلة لا معنى لها استنزفت طاقة الشعب وثرواته.
 
والمسرحية، التي أنتجها مسرح مونتي وعرضت على خشبته، تجسد رؤية وإخراج مخلد راسم، وهو ابن للمخرج العراقي الكبير راسم الجميلي، ومن تمثيل الفنانين باسم الطيب وحسين علي وأبوذر عباس، والبلجيكيات لورا أوتنداله ويسا ولدميرس، في حين أنجز الدراماتورج بيتر أنتونسه، بينما كانت الموسيقى المصاحبة للعرض لرولاند لوتن وينس بيوتي.
 
مخلد راسم: العمل يقدم رسالة جمالية أخلاقية تهدف لإعادة النظر في ما حصل (الجزيرة)
من أجل الحرية
المسرحية التي اعتمدت على ثلاثة محاور رئيسية أو ألعاب قام من خلالها الممثلون العراقيون والممثلات البلجيكيات سوية بتقديم صورة موجعة حية لشعب يحمل إرثا هائلا من الثقافة والحضارة والذي قادته الدكتاتورية إلى أن يصبح شعبا لا حول له ولا قوة يتلقى الضربات ولا يصرخ أو يتأوه.

ولم يكتف راسم بالنص المسرحي الذي عالجه ليتماشى مع الواقع، وإنما مزج به صورا مرئية وفيديوهات تصوّر حالة القمع والطغيان التي رزح تحتها العراقيون على مدار عقود، وهي الحالة التي عاشها ويعيشها أغلب العرب حتى اللحظة الذين انتفضوا وينتفضون من أجل التخلص منها، حيث إن الآهات قد تعاظمت في دواخلهم إلى حد صار الصراخ معادلا موضوعيا للحرية.

وقد تشير الجملة الشهيرة التي قالها "كاليغولا" والتي ترددت في المسرحية، إلى لسان حال كل الطغاة على مر العصور وطغاة العصر الجديد الذي نعيشه حين قال "مَن هو هذا الإله كي أرغب في أن أتساوى معه؟ إنّ الذي أسعى إليه الآن مستخدماً كامل قواي هو أن أترفع عن جميع الآلهة. إنني أتولى سلطة دولة عظمى لا مردّ فيها لحكم المستحيل".

ويقدم العرض علاقة الدكتاتور بالشعب عن طريق سباق ولعبة أطفال بمنطق المباريات بين الشعب والدكتاتور من خلال ثلاث مباريات، تناقش الأولى كيف تم تعذيب الشعب، والثانية تصف كيف تم تجويع الشعب، أما الثالثة فتحكي كيف تم قتل الشعب، وكل هذه الألعاب تتم أمام القصر الرئاسي.

وفي حديثه للجزيرة نت، يوضح مخلد راسم سبب اختياره لهذا العمل، الذي كان مشروع تخرجه في كلية الفنون الجميلة في بغداد عام 2005، أنه كان ممنوعا في زمن الدكتاتورية حيث الرقابة ترفض أن يُقدم هذا العمل، لكنه وبعد سبع سنوات حاول الاشتغال بطريقة أخرى على مسرحية "كاليغولا" بسبب بعض المتغيرات التي حدثت في حياته الشخصية وفي الوضع العام.

مشهد من مسرحية كاليغولا التي عرضت على مسرح مونتي ببروكسل (الجزيرة)

رسالة أخلاقية
ويشير إلى أنه حاول من خلال هذا العمل تقديم ما مر بهذا الشعب الصابر العظيم الذي تحمل كل هذه السنوات المرة العصيبة، كما أنه ارتأى قراءة هذا الواقع الكسيح بطريقة فنية سريالية عبر الغوص في عمق الواقع عن طريق الفيديو و"صياغته عن طريق الصورة الجسد النص".

ويعتقد راسم أن الشخصيات الدكتاتورية متشابهة، مشيرا إلى ما يحدث في سوريا، متسائلا: لو كان هذا النظام ليس دكتاتوريا هل كان سيحصل كل ما حصل في سوريا؟

ويرى أن هذا العمل بالدرجة الأساس يقدم رسالة أخلاقية جمالية تهدف إلى إعادة النظر فيما حصل في حياتنا المجهولة، مشيرا إلى أنه تم تناول فترة لم يكتب عنها أحد، وهي فترة الحصار الاقتصادي التي مر بها الشعب العراقي على مدار عشر سنوات، وأن هذه الأفكار كلها هي أيضا محاولة لخلق واقع جمالي آخر بعيدا عن العنف والقتل والانفجارات.

وتؤكد الممثلة البلجيكية يسا ولدميرس اعتزازها بالمشاركة في هذه المسرحية التي قرأتها مرارا إلا أنها لم تتخيل أن تقدمها على المسرح ذات يوم خاصة عندما تمت صياغتها لتناسب الواقع الحالي.

ولا تتخيل ولدميرس كيف استطاع أشخاص في مثل سنها العيش لسنوات تحت حكم طاغية كانت تقرأ عنه فقط في كتب التاريخ، وترى أن من الضروري تقديم هذا النموذج للمجتمع البلجيكي كي يشاهد كيف يعيش الناس ويعانون في بلاد أخرى ليست بعيدة عنهم تماما، موضحة أن أقسى لحظات العمل كانت وقت عرض الفيديوهات التي تصور التعذيب الذي تعرّض له العراقيون على مدار سنوات.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة