طارق مكاوي بانتظار ربيع القصيدة   
الخميس 1432/8/20 هـ - الموافق 21/7/2011 م (آخر تحديث) الساعة 16:13 (مكة المكرمة)، 13:13 (غرينتش)

الشاعر الأردني طارق مكاوي (الجزيرة نت)

حاوره في عمان: توفيق عابد

ينتمي طارق مكاوي لجيل الشعراء الشباب في الأردن، صدرت له حتى الآن خمسة دواوين شعرية هي "لم يكن كافيا" و"الرحيل داخلا" و"أوشوش هذا الزقاق" و"نبتة مهملة" وآخرها "ورق أصفر"، كما كتب مسرحية "كل شيء بدولار" لم تجد بعد طريقها إلى العرض في غياب الدعم.

في حديثه وجعٌ ومرارة وجرأة.. يطرق الأبواب بعنف ليكشف ما بداخلها، ليس بهدف التشفي أو الفرجة على واقع صعب، بل ليمارس الحلم في طريقه إلى مجتمع الفضيلة وتكافؤ الفرص.

الجزيرة نت التقت مكاوي وأجرت معه الحوار التالي:

يطرح الآن ربيع الكرامة والحرية، من وجهة نظرك هل سيطرح ربيع القصيدة العربية؟

- نجاح الإبداع مرهون دائما بنجاح الحياة السياسية وإطلاق الحريات والتحرر من التبعات السياسية والاقتصادية.. لم أشعر للحظة واحدة بما يسمى ويحتفل به "الاستقلال" أي استقلال، وإن مررت من أمام السفارة الأميركية يرتجف قلبي كأنني أمر من أمام يوم القيامة. وأي إبداع يأتي وأنا أعرف أن السياسة تريد هذا القدر، وأن فلانا يريد أيضا هذا القدر.. أي إبداع نضحك به على ذقوننا يمنحنا التغيير.. التغيير حالة مختلفة عما نراه ونتوجس منه خيفة.
 
هذا الجيل -الذي أنا أحد أشخاصه- عاش ويرقب ساعة الموت وهو على درجات الإهمال.. يقاتل داخل النص الإبداعي الذي لا ينظر إليه أحد، ولا أظن أن الحكومات تتعب نفسها بالنظر إلى أي نص إبداعي، لأن مؤسساتها المدربة جيدا أقلعت عن صناعة الأبطال.. أنا متأكد من أن ربيع القصيدة سيأتي مع ربيع التحرر الحقيقي وليس بالشعور الزائف بالانتصار.

يقال إن القصيدة النثرية شاخت وإنها مسؤولة عن انهيار القصيدة وعزوف الجمهور.. ماذا ترى؟

غلاف ديوان "ورق أصفر" لطارق مكاوي (الجزيرة نت)
- في اعتقادي أنه لا توجد حقيقة شيخوخة نوع من أنواع الأدب، وإذا كان هذا السؤال يرتبط بأن هذا النوع من الشعر أثر على "منبرية القصيدة"، فأجزم بالقول إن المنبر في تراجع ملحوظ حتى بالنسبة للنص الشعري الجماهيري العمودي، فالحال لا يرتبط بالشعر، بل بمزاج المواطن العربي الذي غزته وسائل الإعلام في البيت والمكتب وأصبح يستسهل الحياة، فهو ليس بحاجة إلى الذهاب إلى مكان ما ليستمع فيه إلى الشعر.

القصيدة العمودية توقف فيها الدفق الشعري الحقيقي.. وهنا أشير في هذه المقولة إلى الشعراء الذين توقفوا عند إرث الخليل بن أحمد والصور الكلاسيكية والبنى الجاهزة التي اهترأت ولم يعد لها خصوصية أو بصمة لشاعر معين، بينما تتغير الدنيا وتتطور بإطراد حولهم.

استطاعت قصيدة التفعيلة الخروج على الطور ساحبة فيما بعد الشكل الأخير وهو القصيدة النثرية -بما يؤخذ عليها- إلى مشهد القصيدة العربية الحديثة باعتبار أنها شكل جديد لتطور النص الشعري العربي الذي لم يأخذ حقه حتى الآن من الكتابة والتجريب والنقد، لأنه لا يزال في طور إثبات الذات وانتزاع الهوية من المشهد الثقافي.

وباعتقادي أن كل ما يكتب ونراه على صفحات الجرائد لا يمثل شعرية النص أصلا لأن قصيدة النثر تتيح للكثيرين -من الذين لا مكان لهم- أن يُوسَع لهم مكان على حساب الإبداع.

بوصفك شاعرا من جيل الشباب، ما أبرز الصعوبات التي تقف أمامك؟ وهل هناك معاصرة شعرية بالأردن، أم أن الرواد في واد والشباب في واد آخر؟

- ديواني الأول "لم يكن كافيا" صدر في 1998 طبعته على نفقتي لأن وزارة الثقافة آنذاك كان لها رأي في مزاج كتابتي، ولم يتغير على نصي ما يجعله يتراجع إلى الوراء ليرضي الذائقة السائدة في الوزارة.. الآن طُعّمت وزارة الثقافة بجيل شبابي واع ومبدع، وعلى الرغم من ذاك يحمل الشباب الجديد نفس المشاكل التي حملناها في ذلك الوقت، ولا أعتقد أننا في واد والشباب في واد آخر مع التحفظ على هذه العبارة، لأن الفترة الزمنية بيننا قليلة والتجربة متشابهة.

منذ 1948 ونحن نتكلم وهم يحتلون ويغتصبون.. الكلام حالة عار عربية تلاحقنا.. والشعر لم يعد يخرج بمظاهرة منذ زمن طويل
ومن وجهة نظري فإن جيل الشباب الآن يحمل هموما مختلفة عنا وطموحا وأحلاما وأدوات لم نكن نمتلكها، لكنه يريد أن يستقر وأن يهتم به جيدا وأن يشعر بأنه مبدع وأنه يضيف، لا تختلف هذه الطموحات بين أي جيل وآخر لكن تختلف المواقع والأدوات.

تحدثت عن مشروع للمبدعين، ما تفاصيله ونتائجه على المستوى المحلي في الأردن؟

- العمل الذي أقوم به هو مشروع عمل صحافي يقوم على التحاور مع المبدع لاكتشاف المحرك الأساسي للإبداع داخله لا سيما أن هذه الطاقة الغريبة تتجه لأناس تتشابه أرواحهم في القلق والمزاجية.

ومن خلال رصد لمبدعتين وجدت خيطا مشتركا هو البيئة الخصبة والمثقفة لهما ومنها انطلقتا لعالم الإبداع، إضافة للقيود الاجتماعية الصارمة التي تُفرض على الفتاة في المجتمعات العربية ممّا يؤدي لأن تكون القراءة والكتابة متنفسها الوحيد ومخرجا ومنطلقا للإبداع.

بعض "المتشائمين" يقولون إن الثقافة في الأردن قد شاخت وإن الحالة الثقافية تحتاج عمليات جراحية لتخرج من غرفة الإنعاش؟

- الحالة الثقافية في الأردن بخير، ولن أكون هنا في محضر الترويج لمبدعي الأردن، فهناك حالات إبداعية مهمة من شعر ومسرح وقصة قصيرة ورواية، وشخصيا أراقب المشهد الثقافي الأردني والملاحق اليسيرة التي تصدر دائما فأجد حالات إبداع غير متوقعة، وبكل بساطة أقول إن هناك كتّابا وكاتبات يخطفون القلب من خلال نصوصهم.

جيل الشباب الآن يحمل هموما مختلفة عنا وطموحا وأحلاما وأدوات لم نكن نمتلكها، لكنه يريد أن يستقر وأن يهتم به جيدا وأن يشعر بأنه مبدع
المشكلة تكمن في الحكومات المتتابعة في الأردن التي تعتبر الهم الثقافي ثانويا وهامشيا، وأجزم أن رأي الحكومة في وزارة الثقافة هو إرضاء عشائري لثلة من الشباب الذين يوجعون رأسها، أو في رواية أخرى هي شكل جميل أمام وزارات الثقافة الأخرى.

أول قصيدة وآخر قصيدة لك، ما الذي تغير بعد خمسة دواوين؟

- التجربة الشعرية التي مررت بها مثيرة جدا، وأحب أن أعود مرة أخرى لإعادة هذا الفيلم الجميل من حياتي، إذ إن القصيدة الأولى كانت ككل بواكير الشعر الذي يريد الركض بعيدا عن صاحبه، ويريد صاحبه أن يتنكر له فيما بعد.

بالطبع هناك فرق هائل في القصيدة الأولى من حيث النضج الشعري والفكري، وإطلاع الشاعر على عوالم كثيرة تجعله يكتشف كل يوم أشياء جديدة تبهره، وبالتأكيد كل هذا العالم  يبني في النص ويؤثر في طعمه ومزاجه ومناخاته.

يقال إن الكلمة أمضى من السلاح، هل ينطبق هذا الطرح على الحالة العربية؟

- أنا الآن خجل أن أقول ما يجول بخاطري عن الأمة الميتة، فالقصيدة في زمن عمرو بن كلثوم غيرت مسيرة حياة قبيلة مكلومة في الأصل، قلبت الأمور رأسا على عقب وحمحمت الخيل التغلبية للثأر لأم الشاعر، نحن الآن نقتات على أحزاننا منذ احتلال فلسطين، وقد أشرت لذلك سابقا في بداية اللقاء، وهو أن المنبر في رحمة الله.

منذ 1948 ونحن نتكلم وهم يحتلون ويغتصبون.. الكلام حالة عار عربية تلاحقنا.. والشعر لم يعد يخرج بمظاهرة منذ زمن طويل.. وسأفاجئك بأنني بت أشك في حالنا العربي الآن وغدا، هل يعد لنا شيء في الخفاء وهل نحن نتحرر!! لست أدري حقيقة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة