قانون الـ 2000 اللبناني في المعايير الدولية   
الخميس 1426/4/17 هـ - الموافق 26/5/2005 م (آخر تحديث) الساعة 15:38 (مكة المكرمة)، 12:38 (غرينتش)


د. شفيق المصري

"إن الزيارات التي قمت بها لعدد من المسؤولين والفعاليات اللبنانية كانت جيدة، ولمست شبه إجماع على وجود شوائب في القانون الانتخابي تحتاج إلى معالجة، [وأتمنى] تصحيح هذا الوضع بعد الانتخابات...".

هذا ما أبدته مديرة دعم الانتخابات في قسم الشؤون السياسية بالأمم المتحدة كارينا بيريلي في سياق زيارتها إلى لبنان تمهيدا لمراقبة الانتخابات. والواقع أن هذا القانون المعتمد للانتخابات النيابية اللبنانية يشكل لدى معظم اللبنانيين مصدرا للشكوى أو الانتقاد

غير أن معظم هؤلاء اللبنانيين وكذلك السفراء والمراقبون الأجانب يعتبرون أن الوقت لن يسمح بهذا التعديل أو التبديل إذا كان ثمة إصرار محلي ودولي على احترام المواعيد الدستورية لهذه الانتخابات.

وتشعبت الانتقادات الموجهة لقانون الـ2000 وفق تعدد المصادر السياسية الرسمية وغير الرسمية التي أطلقتها، فمن رسالة رئيس الجمهورية الذي اعتبر قانون الـ2000 يخالف وثيقة الوفاق الوطني ويعرقل عمليات الإصلاح إلى سائر الأدبيات والتعليقات الأخرى على المستويات كافة.

والواقع وبصرف النظر عن الانتقادات الموجهة لهذا القانون فإن مسألة الانتخابات النيابية تبقى الشغل الشاغل لعدد كبير من المراقبين الدوليين والمحللين السياسيين المحليين والأجانب.

وبذلك باتت الانتخابات الموضوع المحوري الأول بقدر ما تؤثر مباشرة على توجهات الحياة السياسية في لبنان، وبقدر ما تعكس موازين القوى الإقليمية الجديدة، وبقدر ما تأتي في سياق الخطط المرسومة للمنطقة.

ولا بد هنا من الملاحظة أن مسألة الانتخابات تتعلق في أكثر من مكان ومناسبة بأنماط الحياة السياسية الجديدة في المنطقة وتتفاعل مع مجرياتها وتتحرك وفق ديناميتها المختلفة.

أولا: الانتخابات في معايير القانون الدولي

أ- في المبدأ:
ترتبط الانتخابات بحقوق الإنسان في المبدأ والتفصيل والممارسة فإذا كانت الشعوب تملك الحق في تقرير مصيرها، فإن تحقيق هذا الحق يتم من خلال انتخابات تمارسها هذه الشعوب بحرية ونزاهة، لكي تختار ممثليها في كافة الهيئات الدستورية المناسبة.

وإذا كانت حرية التعبير وصونه (أو يجب أن تكون كذلك) في الدستور وفق الأحكام الدولية المستقرة فإن الانتخاب يشكل الآلية الفضلى لممارسة حرية التعبير. وإذا كان الإعلان العالمي لحقوق الإنسان قد أقر لكل شخص حق المشاركة في الشؤون العامة لبلده فإن هذه المشاركة تتم من خلال ممارسته حق الاقتراع أو الترشيح.

ولذلك أكدت المادة 25 من الشرعة الدولية للحقوق المدنية والسياسية على أنه "لكل مواطن الحق دون أي وجه من وجوه التمييز أن يشارك في إدارة الشؤون العامة، إما مباشرة وإما بواسطة ممثلين يختارون في حرية... وأن ينتخب ويُنتخب، في انتخابات نزيهة تجري دوريا بالاقتراع العام وعلى قدم المساواة بين الناخبين وبالتصويت السري، تضمن التعبير الحر عن إرادة الناخبين...".

"
تجاوب هذا القانون مع الدستور من جهة ومع أي تشريع انتخابي آخر (رئاسي أم بلدي أم مناطقي) من جهة ثانية ومع التشريعات الأخرى المتعلقة بالحقوق السياسية (كقانون الأحزاب والإعلام وهيئات المجتمع المدني) من جهة ثالثة
"
هذا مع التأكيد على أن القانون الدولي -في اتفاقاته العديدة- أكد على وجوب تساوي النساء بالرجال في شتى الأطر والعمليات الانتخابية، ونهى عن كل وجوه التمييز الذي يمكن أن يرد بسبب العِرق أو الدين أو سواهما. وحرص القانون الدولي أيضا على ضرورة احترام خمسة شروط متلازمة في كل قانون انتخابي:

- تجاوب هذا القانون مع الدستور من جهة ومع أي تشريع انتخابي آخر (رئاسي أو بلدي أو مناطقي) من جهة ثانية ومع التشريعات الأخرى المتعلقة بالحقوق السياسية (كقانون الأحزاب والإعلام وهيئات المجتمع المدني) من جهة ثالثة.

- تجاوب هذا القانون مع الشروط العامة لأي انتخاب يجري في شكل ميسور ومفهوم وشفاف وحر وديمقراطي.

- تجاوب هذا القانون مع شرطي المهل الدستورية والوكالة النيابية في آن معاً.

- تجاوب هذا القانون مع أصول وطرق المراجعة بعد الانتخابات والفصل الموضوعي والعادل.

- تجاوب هذا القانون مع كل الشرائح والمجموعات الناخبة ومدى صدقيتها وشرعيتها دون أي تمييز أو استثناء.

ب- في العملية الانتخابية:

تشمل الانتخابات عملا متكاملا يتوزع على ثلاث مراحل: التشريع الانتخابي (القانون)، وعملية الاقتراع، وطرق المراجعة بعد هذه العملية. والواقع أن القانون الدولي لاحظ معايير موضوعية وشاملة لكل من هذه المراحل. وقد سبقت الإشارة إلى بعضها في ما يتعلق بقانون الانتخاب أي المرحلة الأولى أما بالنسبة للمرحلة الثانية وهي عملية الاقتراع فيلاحظ:

- أن مبدأ سرية الاقتراع أمر أساسي لدى القيام بهذه العملية وذلك تحت طائلة الشك في صدقية هذا الاقتراع ومدى سريته وشفافيته.

- إن الترتيبات الميدانية المتخذة في سياق هذه العملية يجب أن تسمح بمراقبة كل مراحلها بدءا بالمناخ الانتخابي العام خارج مركز الاقتراع ومرورا بالعملية نفسها ووصولا إلى فرز الأصوات. ويمكن أن يتولى هذه المراقبة مراقبون دوليون أو متطوعون أو ممثلون للمرشحين أو كل هؤلاء معا.

- إن الهدف الأساسي من الانتخابات يتمثل في صدقية التمثيل الشعبي ولذلك فإن الهدف الأول منها هو في التأكيد على هذه الصدقية والتأكد منها. ولا يحمل القانون أي هدف إنمائي آخر على المدى القصير أو البعيد. إنه يهدف فقط إلى صدقية اختيار الشعب لممثليه.

وهذا ما أكدّت عليه المادة 21 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: "...إن إرادة الشعب هي مناط سلطة الحكم. ويجب أن تتجلى هذه الإرادة من خلال انتخابات نزيهة تجري دوريا بالاقتراع العام، وعلى قدم المساواة بين الناخبين، وبالتصويت السري أو بإجراء مكافئ من حيث ضمان حرية التصويت".

هذا مع الإشارة إلى أن القانون الدولي لا يقرر أي صيغة قانونية للتشريع الانتخابي (أي سواء كان أكثريا أم نسبيا وفرديا أم مناطقيا) لأنه يترك ذلك لملاءمة كل دولة لظروفها.

المهم أن يأتي القانون ذا صدقية تمثيلية من دون أي تمييز ولا خلل في القوة الناخبة التي يجب أن تبقى متساوية لدى الجميع، خاضعا لصدقية تمثيله مع أنه يتأثر سلبا أو إيجابا بمساحة الدائرة الانتخابية وبمدى فاعلية الأحزاب فيها أو الكتل الأخرى الضاغطة.

- وتعرض القانون الدولي أيضا إلى مسألة ضبط النفقات الانتخابية وقدم بصددها بعض الحلول المناسبة.

"
فضلا عن التناقضات التي تورط بها قانون الـ2000 في توزيع الدوائر الانتخابية. اعتمد هذا القانون توزيع لبنان على 14 دائرة انتخابية، دون أي اعتبار للتواصل الجغرافي ولا للتساوي العددي ولا للتجانس الديمغرافي
"
ثانياً: قانون الـ2000:

1- كانت وثيقة الوفاق الوطني اللبناني المعروفة عادة بـ "اتفاق الطائف" قد لحظت إطارا أساسيا للانتخابات وهو أن "تجري الانتخابات النيابية وفقا لقانون انتخاب جديد على أساس المحافظة، يراعي القواعد التي تضمن العيش المشترك بين اللبنانيين وتؤمن صحة التمثيل السياسي لشتى فئات الشعب وأجياله وفعالية ذلك التمثيل، بعد إعادة النظر في التقسيم الإداري في إطار وحدة الأرض والشعب والمؤسسات". ثم أتى الدستور اللبناني المعدل في العام 1990 وحصن اتفاق الطائف بالتأكيد على أنه: "لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك".

وبذلك يتضح أن شرط اعتماد المحافظة قائم في المبدأ ولكن تطبيقه يتم بعد إعادة النظر في التقسيم الإداري مع أنه ممكن وإن كان غير ملزم في الوضع الراهن.

ويتضح أيضا أن الشروط الأخرى التي أوردتها هذه المادة يجب احترامها بالكامل ومنها: أن القواعد لهذا القانون يجب أن تضمن العيش المشترك بين اللبنانيين، وأن تؤمن صحة التمثيل السياسي، وأن تتمثل "أجيال" هذا الشعب، وأن يوفر القانون فعالية ذلك التمثيل.

والواقع أن قانون الـ2000 لا يراعي أيا من هذه الشروط التي يقرها القانون الدولي ضمن إصراره على أن يكون أي قانون انتخابي متجاويا مع دستور الدولة، فمسألة صحة التمثيل السياسي انحصرت بالعدد فقط ولكنها لا تؤكد على فاعلية هذا التمثيل. وأجيال -والمقصود هنا الشباب دون سن الـ 21- الشعب اللبناني لم تمثل في هذا القانون. ولعل السبب في ذلك أن الذين عدلوا الدستور اللبناني في العام 1990 لم يتعرضوا للمادة 21 منه التي تشترط عمر الـ21 سنة متكاملة للناخب.

هذا فضلا عن التناقضات التي تورط بها قانون الـ2000 في توزيع الدوائر الانتخابية، فقد اعتمد هذا القانون توزيع لبنان على 14 دائرة انتخابية، دون أي اعتبار للتواصل الجغرافي ولا للتساوي العددي ولا للتجانس الديمغرافي، فقام بدمج أقضية متباعدة في دائرة واحدة، وبدمج محافظتين في دائرة واحدة، ووزع محافظة على أربع دوائر انتخابية وأخرى على دائرتين، كما ضمّ بعض الأقضية في مكان وأبقى على قضاء واحد في مكان آخر. وبذلك نقض المعيار الدولي بضرورة التساوي في القوة الانتخابية فضلا عن عدم الوضوح والشفافية وحتى الديمقراطية.

2- أما في ما يعود إلى العملية الاقتراعية نفسها فيلاحظ أن ثمة تجاوزات أخرى تخالف المعايير الدولية ومنها:

"
القانون لم يراعِ التساوي في القوة الانتخابية سواء من حيث توازي الأوزان الناخبة أو تساوي الأعداد المطلوبة لنجاح المرشح أو الإفساح في المجال أمام المنافسات الانتخابية أو التوزيع المعقول للدوائر الانتخابية
"

- أن القانون الذي لم يراعِ التساوي في القوة الانتخابية سواء من حيث توازي الأوزان الناخبة أو تساوي الأعداد المطلوبة لنجاح المرشح أو الإفساح في المجال أمام المنافسات الانتخابية أو التوزيع المعقول للدوائر الانتخابية... إلخ.

كل هذه التجاوزات التي سبقت عملية الاقتراع حسمت، بشكل أو بآخر، بعض النتائج بحيث لم يعد ثمة حاجة إلى مراقبة أي عملية اقتراعية محكومة سلفا ومقررة مسبقا.

- أن قانون الـ2000 اعتبر في المادة الخامسة منه أن الاقتراع يكون عاما وسريا وعلى درجة واحدة.

والمعروف أن سرية الاقتراع أمر ضروري لصحة الانتخاب وصدقيته، ولكن القانون لم يسع إلى التأكيد على ذلك ما حمل بعض المسؤولين اللبنانيين في الدورة السابقة إلى اعتبار السرية أمرا نسبيا أو اختياريا، والواقع أن وزارة الداخلية أصدرت تعميما في 21/5/2005 يؤكد ضرورة احترام هذه السرية تحت طائلة معاقبة المسؤول عن القلم في حال إغفالها أو تجاوزها، لذلك ينتظر أن تطبق الوزارة هذا الإجراء بحسم وجدية كاملين.

- إن قانون الـ2000 لم يشر إطلاقا إلى ضبط الإعلام والإعلان الانتخابيين ولذلك يبدو أن هذا الجزء المرافق للعملية الانتخابية سيبقى متروكاً لديناميات العملية الانتخابية ذاتها من دون أي إجراء حاسم بهذا الصدد.

- وفي عودة إلى المبادئ العامة التي يجب احترامها وارتقابها في كل قانون للانتخابات نرى أن قانون الـ2000 لم يشر إلى هذه المبادئ ولم يحاول ربطها مع التشريعات الأخرى للحقوق المدنية والسياسية.

وهكذا نرى ضرورة التذكير بكل هذه المعايير الدولية لكي تصبح دليلا مرشدا لأي تشريع انتخابي مقبل. وإذا وعد وزير العدلية بالعمل على تحضير هذا التشريع حتى يصبح جاهزا مع أول حكومة تتشكل بثقة المجلس النيابي الجديد، فإن من المنتظر أن يلتزم هذا المشروع كل المعايير والمبادئ العامة والدولية.


ـــــــــــــــــ
محاضر لبناني في القانون الدولي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة