أرض سلهب المجهولة يعرض في كان   
السبت 1423/3/6 هـ - الموافق 18/5/2002 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)

 عدد من أعضاء هيئة التحكيم في مهرجان كان السينمائي
يصور المخرج اللبناني غسان سلهب في فيلمه "أرض مجهولة" الذي يعرض اليوم السبت ضمن تظاهرة "نظرة خاصة" الرسمية لمهرجان كان الخامس والخمسين, شخصيات معلقة بين ماض لا تريد أن تتذكره وحاضر غير واضح المعالم وأقرب إلى الورشة الكبيرة التي تشكلها بيروت اليوم.

و"أرض مجهولة" الذي اختار له المخرج عنوانا إيطاليا "تيرا انكونييتا" هو الفيلم الثاني لسلهب بعد "أشباح بيروت", الذي عكف على تصوير الحياة في بيروت الحرب, عبر أسلوب امتزج فيه التسجيلي بالروائي.

ويصور الفيلم الحيرة التي لا خلاص منها التي تتملك جميع الشخصيات وتحكم سيطرتها عليها وسط ضجيج المكان الذي لا يهدأ, من ضجيج الآلات المستخدمة في بناء الطرق والعمارات وأصوات أبواق السيارات, وهدير الطائرات القادمة إلى مطار بيروت أو تلك التي تخترق جدار الصوت فوق المدينة, وصوت الراديو الذي يوقع الشريط الصوتي للفيلم.

وتكتمل صورة ما للشخصيات وللمكانعبر حياة شلة من الشبان, هم ثريا وليلى وطارق ونديم وحيدر, فطارق (ربيع مروة) الذي عاد مؤخرا إلى لبنان لا يعرف إن كان عليه البقاء أو الرحيل. وثريا (كارول عبود) تسعى لمغادرة البلد وتجمع أذونات دخول البلاد الأجنبية دون أن تقرر الرحيل فعلا, بل هي تطلق لجسدها العنان عبر إقامة علاقات عابرة وكأنها صورة أخرى من صور المدينة.

أما نديم المهندس (وليد صادق) الذي يبني عمارات شاهقة من الباطون تتكامل في فوضى كاملة ودون أي تخطيط, فيقضي وقته أمام الكومبيوتر في إعادة رسم ملامح بيروت التي يكسوها كلها بالأخضر. وتتخبط ليلى (عبلة خوري) بين الإيمان الروحي وبين عدمه فيما يتابع حيدر (كارلوس شاهين) تقديم نشرات الأخبار في الإذاعة ومتابعتها في الصحف كمن يتغذى بها وكأنه غير موجود.

وبين الشخصيات جميعا باستثناء "حيدر", هناك علاقات صحبة وصداقة, لكن هذه العلاقات نفسها تبدو معلقة وغير أكيدة, ف"طارق" مثلا كان يحب "ثريا" لكنه غادر البلاد وحين عاد كانت قد نزعته من رأسها, لكنهما يلتقيان.

إلا أن هذه الشخصيات لا تلتقي فعلا بل هي  تتقاطع على حافة الحضور والغياب وما يستدعيانه من تحولات. جميعها شخصيات تريد أن تهرب من شيء ما, من المجهول القادم, من الأرض المجهولة التي يحاول المخرج, بجعله ثريا تعمل كدليلة سياحية, أن ينقلنا عبرها, فينتقل بنا من المدينة إلى أنحاء متفرقة من الجنوب وصولا إلى الحدود.

فكأن النفوس التي يصورها ارض مجهولة, نفوس محطمة أصابها الدمار, الدمار نفسه الذي لحق بالمدينة وهي في لحظة الفيلم.

ويسيطر هم نقل الحياة كما هي على غسان سلهب، فهو يعترف أن جميع الممثلين الذين عمل معهم هم من الأشخاص الذين يعرفهم ويعاشرهم, وان الحدود بين الأشخاص الذين يعرفهم وبين شخصيات فيلمه هي التي تسترعي اهتمامه.

ولا يعتمد "أرض مجهولة" نهجا روائيا كلاسيكيا وإنما نهجا شديد التقطيع, مفككا عن قصد، فمجموع الحكايات الصغيرة للشخصيات هو الذي يخط السكة التي ينتهجها الفيلم الذي يمكن لمس أجوائه من اللحظة الأولى. 

ولا يطمح الفيلم وهو إنتاج لبناني فرنسي مشترك, إلى أكثر من عرض حالة عبر
تلك الشخصيات, حال البلد, وتفكير الشباب وشكل حياتهم فيه بعد حرب فظيعة دمرت كل شيء، ولا تفارق الأغنية مقاطع الفيلم، فهي تبقى الوحيدة التي تعبر عن أمل ما ضائع في الضجيج وفي غبار الزمن الحاضر الذي يغطي كل شيئ ويحجب الرؤية, كما غبار المدينة في يوم صيفي قائظ.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة