دينا سليم: نعيش عصر مجانية الموت   
الاثنين 1433/1/10 هـ - الموافق 5/12/2011 م (آخر تحديث) الساعة 18:18 (مكة المكرمة)، 15:18 (غرينتش)

الكاتبة والروائية الفلسطينية دينا سليم (الجزيرة نت)

حاورها توفيق عابد-عمان
اعتبرت الكاتبه الفلسطينية دينا سليم أن الزمن الحالي يشهد ما أسمته مجانية الموت بسبب الانتهاكات ومصادرة الحريات التي تحدث في مختلف أرجاء العالم.

وأوضحت في حوار خاص مع الجزيرة نت أن الاغتراب منحها القدرة على الكتابة بأريحية أكثر وأعطاها القدرة على قول "لا" بصوت قوي
.

وقالت دينا سليم إن فلسطين تسكن داخلها في غربتها، وألمحت إلى أن أحداث روايتها "قلوب لمدن قلقة" وقعت في القدس التي تحلم بالعودة إليه.

وتعيش دينا سليم في أستراليا، وهي تكتب الرواية والقصة القصيرة والمسرح، ولها خمس روايات مطبوعة واثنتان تحت الطبع، وصدر لها قبل فترة قصيرة رواية "قلوب لمدن قلقة" عن دار شمس بالقاهرة.

وفيما يلي تفاصيل الحوار الذي أجرته الجزيرة نت مع دينا سليم: 

ما الذي أردت قوله من خلال روايتك "قلوب لمدن قلقة"؟

دينا سليم: لكل منا حلم يريد أن يصدره للآخر، وعندما أصبح الإنترنت مباحا لجميع مستعمليه في عصر الحواجز والسبل المغلقة لم يجد الحالم طريقا سالكا أكثر من هذا الطريق المعبّد بالأصدقاء، لذا يجب الاعتراف بأن الإنترنت هو الخرق الوحيد لتحطيم القيود التي تكبّل الإنسان في هذا العصر.

فالإنسان يتعرض لنهايات مستعجلة وانتهاكات لحقوقه وسلب لحرياته وقتل يسلب منه رغبته في الحياة، وأعتبر هذا العصر الذي نعيشه عصر مجانية الموت الذي يشوه حرمة الميت، والإنسان يتخبط ويتهرب بحثا عن ملاذ آمن وعندما يحاول السفر والابتعاد يجد مئات المعوقات، حيث تحولت الحدود إلى جدران ناهيك عن قيود السفر التي تعددت أسبابها غير المنطقية وأولئك الذين يحاولون الهرب من حياتهم المعيشية طمعا بحياة أفضل ويفلحون في الوصول إلى الجحيم.


بوصفك أديبة فلسطينية كيف أثر الاغتراب عليك؟

دينا سليم: أعترف أن لغتي تغيرت كثيرا عندما وصلت لأرض المغترب وأصبحت أكثر وضوحا وجهورية فقد علمتني الغربة أن أكون شخصية واحدة ولأني أكره الازدواجية استطعت اكتساب الكثير من التجارب وتمكنت من قول كلمة "لا" بصوت عال وقوي، وتأكدت مما كنت أؤمن به وهو أن الكاتب لا يحتمل أن يكون مُلكا لأحد خاصة المرأة المبدعة عندما تقف على أخطاء مجتمعها الذي أخلّ من توازنها وحاول أن يكبح طموحها لمجرد أنها حاولت أن تطير خارج السرب.

وتستهويني حالات المقارنة كما أن مشاهداتي اليومية للآخرين لا تنتهي وربما بقدر ما تسعدني وتفرحني أيضا تجرحني وتحزنني، فمن عادتي الجلوس في مقهى عصري اسمه "الغرب" في أشهر شارع بالمدينة لكي أراقب الناس وأتعقبهم بتفاصيلهم جيدا.


ما المشاكل التي واجهتك كأديبة مغتربة في مجتمع غربي؟

دينا سليم: لا أعتبرها مشاكل بقدر ما أعتبرها تباطؤا في التواصل مع الآخرين في وطني الأم، بداية بسبب انهماكي بحياتي الجديدة، وعملية البناء لحياة متجددة في مكان آخر لا يمت صلة بالماضي ليس بالأمر اليسير لكن يمكن تحقيقه في النهاية، لم يكن النزوح سهلا والتأقلم مع عادات مجتمع منفتح والتعود على لغة أخرى في المعاملات اليومية ليس بالأمر اليسير.

قيل إن رواية "قلوب لمدن قلقة" تقود لعوالم المدن المقهورة فأية صورة تحملينها عن الوطن؟

دينا سليم: وطني الحبيب يستحوذ على خاطري أينما رحلت، أتخيل كل تفاصيله، إنه يسكن داخلي استجمعت ذكرياتي من خلال الرواية، فكتبت تفاصيل حقيقية عشتها في طفولتي، وأيام الشباب تجولت في ثنايا الوطن أبحث عن خطواتي التي تركتها هناك، وابتعدت حبا له يكفيهِ ما هو فيه ولا أريد أن أحمّله أكثر مما لا يحتمل.

"داليا" في الرواية حكاية لامرأة عاشت داخلي وعشت داخلها لكي أسمعها وهي تسرد الحكاية هذه المرأة تحدثت وبكت، فرحت وحزنت، صمتت ثم انتفضت، ألبست الحكاية زيا لقصة حقيقية حدثت أواخر سنوات الستين ما يزال أبطالها المجهولون على قيد الحياة لكن قمت بتغيير الأسماء.


هل كانت أحداث رواية "قلوب لمدن قلقة" حقيقية؟


غلاف رواية "قلوب لمدن قلقة"
دينا سليم:
أعترف أني عبثت قليلا عندما بدأت أجهز لكتابة الرواية وتقمصت شخصية امرأة أخرى ودخلت إلى غرفة الدردشة اخترت اسم "زهرة" وامتهنت مهنة التمريض، ولا أعرف لماذا قدمت نفسي إلى الآخرين باسم مستعار وحياة مستعارة ومهنة لا تمت لي بصلة ربما لكي آخذ الحيطة من الآخر، فليس من المعقول أن أكتب عن نافذة الدردشة في الرواية، لا يوجد نزاهة هنا بل هي الحقيقة عندما انكشف عليّ عالم جميل مليء بالأصدقاء أولهم كان هذا الذي اسمه (محمد) مسكين هذا الشاب الذي خلقت منه بطلا أحييته ثم أمته لأن الرواية انتهت، لقد كانت مغامرة لا تنسى
.

فالأحداث حصلت في فلسطين الداخل، الحكاية حقيقية لكن زينتها بحلل من لازورد مخيلتي أيضا.


ذكرت كلمة مدينة مرتبطة بجرح، ماذا قصدت؟

دينا سليم: المدينة الأهم في العالم أجمع والأكثر شهرة وسخونة ألا وهي مدينة القدس، أحمل لها أجمل الصور، كان حلمي أن أعود اليها بعد سنين من الاغتراب وقد عدت قبل عامين تقريبا وأنا ألثم كل حجر وجدار ساكن فيها وسرت طولا وعرضا في أزقتها، وكأني أودعها أو استرجعها أو ربما لكي أؤكد لنفسي أني أجلس في أحضانها مهما نأت المسافات كالعادة لا يمكنني أن أشبع منها، وصفتها وصفا دقيقا، وهي حقيقة ثابتة في الرواية.


حملت روايتك حبا وعذابا ووجعا، كيف أستطعت توصيل هذه المشاعر المتضادة؟

دينا سليم: روايتي أتت بعد تجربة طويلة في الحياة أتحدث وكأني ابنة ألف عام وعام، لم أرتب للأحداث ولم أقصد أي وجع، لكنها جاءت بشكل دائري تدور حكاياتها حول الكثير من المواضيع الإنسانية، تعالج مشكلات عديدة أهمها موضوعة الحب الفاني، واقتصاد الحلم، وتهريب الحب، والعشق ولو عبر خرم إبرة، والبحث عن الذات والضياع، ولملمة خواتم الخلاص، والخوف من الجحيم الآتي.


أين تضعين المرأة في نتاجك الأدبي، وفي أي قالب تضعين الرجل؟

دينا سليم: أنا لا أكتب عن المرأة فقط ولا أتحيز لها أبدا، بل تجدني أحيانا وبلغة صارمة أفضح المسكوت عنه وأصرخ في وجه الصمت المريب الذي تتخذه كحلّ لمشكلاتها.

اما عن شخصية الرجل فهي حاضرة جدا في رواياتي وحتى أن أول رواية لي "الحلم المزدوج" كان بطلها رجلا اعتبره بعض النقاد مهزوما والبعض الآخر تعاطف معه، وكذلك روايتي الثانية "تراتيل عزاء البحر" تنصف الرجل، بينما خصصت الرواية الرابعة "الحافيات" للمرأة فأنا حليفتها بكل ظروفها السلبية ربما تعلمت مني المرأة المتلقية بعض الجرأة، وربما تكون قد شتمتني أيضا أو أصابها الحزن فاكتأبت لأنني استطعت تعرية الحقائق التي كانت مستورة، ولا تعنيني المرأة الجاهلة أو التي تقول أنا منفتحة العقل وتفعل العكس.

ماذا تفعلين عند اتخاذك قرار بدء الكتابة؟

دينا سليم: عندما أبدأ في أن أكتب أدخل حالة غريبة، أكتب بسعادة واستعجال وكأني أخشى على الكلمات من الهرب، أتنصل من كل واقع، وأدخل في شخصية دينا الكاتبة التي أمسكت بالمشرط، مسكينة هي الذبيحة من سطوة قلمي، أغيب عن الوعي ساعات طويلة، وبعد عشر ساعات من الكتابة المتواصلة ألجأ إلى سريري وأنا أترنح من الإرهاق لكي أستريح أو أنام فلا أستطيع لأن حالة الإلهام ما تزال تطوقني مثل مشنقة حول رقبتي.


ماذا تمثل القصة القصيرة بالنسبة لك؟

دينا سليم: أعتبر القصة القصيرة وجبة حلوى بعد غداء دسم، أكتبها عندما أكون في فترة نقاهة من كتابة الرواية أو عندما يهزني شيء لحوح لا ينتظر، والحقيقة أنني بدأت أستعيض القص عن كتابة الرواية لقصر الوقت، وبدأت أتعب فالجلوس أمام الحاسوب ساعات جريمة بحق الجسد.


وصفت روايتك بأنها تنكش المسكوت عنه فماذا وجدت بالضبط؟

دينا سليم: لقد كشفت عن تناقضات كثيرة تسود حياتنا اليومية كمن ينكش في أرض جرداء، فالرواية تحمل عيوبا لسيرة حياة المتزمتين دينيا "عالم الحريديم" اليهود بما أن "داليا" ابنة هذه الطبقة من المجتمع فوالدتها يهودية ووالدها عربي مسلم، لذلك كتبت عن ضياع هوية الذات والسلوك المتأتي نتيجة هذه التناقضات، ولم أعلن الحرب على أحد بل العكس تماما كانت ريشتي ترسم الأخطاء بألوان جميلة عذبة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة