فرنسا تتذكر الإمبراطور في زمن الوحدة الأوروبية   
الثلاثاء 1425/10/25 هـ - الموافق 7/12/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:18 (مكة المكرمة)، 17:18 (غرينتش)

يستعد الفرنسيون الأسبوع القادم لإحياء الذكرى المئوية الثانية لتتويج نابليون بونابرت, ولكن الاحتفال هذه السنة يحمل طابعا خاصا إذ ستسترجع فيه ذكرى الرجل الذي غزا نصف أوروبا في وقت لا حديث فيه إلا عن الوحدة الأوروبية.
 
وعلى عكس الاحتفال بالذكرى المئوية الثانية للثورة الفرنسية عام 1989 فإن إحياء ذكرى تربع نابليون على عرش فرنسا ستقتصر على المتاحف والمبادرات الفردية, فالثورة الفرنسية حققت الإجماع الأوروبي في دعوتها إلى مبادئ الإخاء والعدالة والمساواة وهو ما لم تحققه غزوات نابليون بين شعوب أوروبية كثيرة وإن كانت ذكراه مزيجا من الإعجاب والكراهية.
 
ويقول المؤرخ الأميركي ستيفن إنغلند المقيم في فرنسا إن علاقة الفرنسيين بنابليون علاقة معقدة فهو من وضع الحجر الأساس للمؤسسات الفرنسية الحالية، بيد أنه من قادها كذلك إلى حروب أهدرت فيها أرواح مئات الآلاف.
 
تأجيج الحس القومي
ويضيف إنغلند أن نابليون أجج الحس القومي في البلدان التي احتلها، ولكنه خلق أيضا الكثير من عدم الثقة في كل ما يتعلق بفرنسا, وهو شعور يطفو إلى السطح في كل مرة يبدو فيها الرؤساء الفرنسيون غير آبهين برأي الشعوب الأوروبية.
 
إرث فرنسا النابوليوني مازال يثير في أوروبا الإعجاب والريبة معا (الفرنسية-أرشيف)
غير أن نابليون ساهم بالتأكيد في تعزيز الوعي القومي لكثير من الدول الأوروبية، فالإسبان يكرهونه لأنه نصب رغما عنهم أخاه جوزيف ملكا عليهم.
 
وهذا الشعور يخالطه نوع من الإعجاب ببونابرت الشجاع والرومانسي الذي وحدهم –من حيث لا يدري- في وجه الغازي الأجنبي بعد أن مزقتهم الصراعات الداخلية.
 
وقد اضطر نابليون إلى الانسحاب من إسبانيا، ولكنه ترك أثره حتى في اللغة الإسبانية التي ورثت عنه لفظ "afrancesado" الذي كان يشير إلى كل من كان يتعاون أو يتعاطف مع نظامه.
 
هذا اللفظ أصبح استعماله الآن من الحساسية بمكان, وكاد يحدث أزمة عندما استعمله وزير الخارجية الإسباني ميغيل أنخيل موراتينوس للتعبير عن إيمان حكومة ثاباتيرو الاشتراكية بالمبادئ الليبرالية التي حملها العهد النابليوني.
 
إعجاب وفخر
أما الروس فإنهم يتذكرون نابليون بمزيج من الإعجاب والفخر الوطني, فعلى يدهم كانت أولى اندحاراته التي مهدت لهزيمته اللاحقة في واترلو.
 
ويتذكر الروس كل سنة معركة بورودينو يوم 7 سبتمبر/ أيلول 1812 رغم أن الجيش الفرنسي انتصر فيها ولكن فقط ليدخل موسكو ويجدها محروقة ويضطر للانسحاب في شتاء روسي قارس أنهك ما تبقى من قواه وجعل الجيش الروسي يتعقبه في كامل أوروبا.
 
ويتجمع عشرات آلاف الروس كل سنة في مدينة بورودينو القريبة من موسكو ليتذكروا المعركة التي لم يخسروها إلا تكتيكيا وانتهت بمقتل أكثر من 70 ألفا من الجانبين.
 
موكب نابليون الجنائزي وهو يعبر الإليزيه (الفرنسية-أرشيف)
غير أن الروس يرون مع ذلك في نابليون كما يقول المؤرخ الروسي أولغ سوكولوف أحد المختصين في تاريخ القرن 19، "الرجل المنضبط" الذي يحتاجونه لوضع حد للفوضى المستشرية في البلاد.
 
وإذا كان نابليون في نظر شعوب أوروبية كثيرة بمثابة المحتل، فإنه بالنسبة للبولندنيين الرجل الذي علمهم كيف يقاتلون من أجل استقلالهم وجعل 100 ألف منهم يقاتلون طواعية في جيشه للتخلص من نير الاحتلال النمساوي والروسي والبروسي.
 
وقد رحل نابليون عن بولندا بعدما أعطاها أول دساتيرها في عام 1807 تاركا أثره حتى على موائد الطعام, فإحدى أشهر الحلويات اسمها "نابوليونكا", وعندما يشرب البولونيون نخب بعضهم فنابليون حاضر في شخص عشيقته "باني فاليفسكي" التي التقى بها عند احتلاله بولونيا عام 1807 وتحولت اليوم اسما لإحدى أشهر أنواع الفودكا.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة