الكاريكاتير بتونس.. تأريخ للثورة ورقابة على الواقع   
السبت 25/12/1435 هـ - الموافق 18/10/2014 م (آخر تحديث) الساعة 11:07 (مكة المكرمة)، 8:07 (غرينتش)

كمال الرياحي-تونس

ظل الكاريكاتير فنا مغضوبا عليه في سنوات ما قبل الثورة بتونس، قبل أن تأتي الثورة لتتغير الأوضاع ويتحول الكاريكاتير من تأريخ للحراك الشعبي إلى الرقابة على الواقع ورصد انحرافاته.

ودخل كثير من رسامي الكاريكاتير في رقابة ذاتية أثرت على أدائهم الفني أو تركوا المهنة حتى لا يعرضوها للمهانة بسبب انحسار مجالات الحرية، الشرط الرئيسي لانطلاقة هذا الفن وبقائه، بينما سقط البعض في شراك النظام الاستبدادي الذي جعل منهم أداته لضرب معارضيه، فتحولوا إلى جلادين يشوهون وجوه وأجساد المناضلين ويتعرضون إلى أعراضهم بطريقة رخيصة في الصحف الصفراء.

وظل هذا الوضع لسنوات حتى جاءت الثورة التونسية التي رفعت شعارها الشهير "شغل، حرية، كرامة وطنية" لتنقذ هذا الفن وتضخ فيه دماء جديدة.

ليليا هلول تمثل الوجه النسائي النادر
في فن الكاريكاتير (الجزيرة نت)

طائر الفينيق
يرى الكاتب والكاريكاتيري توفيق عمران أن الكاريكاتير في تونس مر بأربع لحظات كبرى: أولها مع الاستعمار الفرنسي عبر الصحف الهزلية "النمس" و"جحا" و"النديم" و"السرور" و"النسناس" و"الفرزَزّو"، ثم جاءت المرحلة البورقيبية بعد الاستقلال وكانت في البداية محتشمة ثم تطورت، لكنها بقيت في ظل صحف الحزب الحاكم مثل جريدة "العمل" التي برز فيها عميد الكاريكاتيريين التونسيين علي عبيد، حتى ظهرت الصحف المستقلة أواخر سبعينيات وبداية ثمانينيات القرن الماضي فبرزت من خلالها أسماء مهمة مثل الحبيب بوحوّال والشاذلي بلخامسة ومصطفى المرشاوي.

ويذهب عمران إلى أن الفترة الثالثة كانت عصيبة جدا مع وصول بن علي إلى الحكم، حيث انسحب الكثير من الفنانين أمثاله هو وبوحوال والمرشاوي، وظل آخرون يحاولون البقاء مثل بلخامسة ولطفي بن ساسي وحاتم بلحاج وعماد بن حميدة والمجدوب والهادفي وعادل أمبية.

ويقول إن اللحظة الرابعة التي تأتي في فترة ما بعد سقوط الدكتاتورية هي اللحظة الأهم وهي لحظة "الجيل الرابع" أو جيل الثورة، إنه جيل الشباب الذي أفرزته شبكات التواصل الاجتماعي (فيسبوك وتويتر والمدونات)، و"تتسم أعمالهم بالطرافة والظرافة حينا والمشاكسة والجرأة حينا آخر.

وبرزت مجموعات وأسماء عديدة، ومما كان يميّز أغلبهم أنهم استعملوا أسماء مستعارة لأنهم بدؤوا بنشر رسومهم قبل سقوط بن علي، والظروف الأمنية حتمت عليهم الحيطة مثل: ولّيس وأدينوف وسلمان أرت وعم الطاهر و"زاد".

وهكذا انتفض طائر الفينيق من رماده مجددا ليبدأ في انتزاع مكانته ليكون إحدى وسائل التعبير الحرة لمواصلة دوره المهم في نشر الوعي بين الناس.

 وضمن هذا الإطار أقدمت قبل أيام مجموعة من الفنانين الكاريكاتيريين التونسيين على إقامة معرض جماعي احتضنه فضاء ابن خلدون المغاربي في العاصمة، إذ تمت استضافة فنانين من أجيال مختلفة هم رشيد الرحموني وليليا هلول وأسامة البرداوي وأنيس المحرسي الذين قدموا أعمالا متنوعة في مستوى الشكل والمضمون.

بن علي ونظامه ضيقوا الخناق
على فناني الكاريكاتير (الأوروبية)

حفظ الذاكرة
قدم الفنانون عشرات الأعمال الفنية التي تؤرخ للتحولات السياسية التي عرفتها تونس، وخاصة فترة الثورة والتجاذبات السياسية الكبيرة التي شهدتها البلاد بعد ذلك، فأرخت لليومي من مواقف السياسيين وزلات اللسان التي كشفت أقنعة الكثير منهم. كما انشغل الفنانون بتثبيت ملامح هؤلاء السياسيين العابرين في الفترة الانتقالية والذين كان لهم مع الطرائف والنوادر حكايات كثيرة. ودونت الرسوم انتهاك الحريات من خلال ما تعرّض له بعض المثقفين من اعتداءات.

ولكن قسما كبيرا من اللوحات المنشغلة بالشخصيات العامة انصب على الوجوه السياسية الكبرى من رئيس الدولة إلى رئيس المجلس التأسيسي إلى رؤساء الحكومات التي تداولت على السلطة، وكأن الكاريكاتيريين ينتقمون لسنوات من الكبت في حظر التعامل مع صور "الرئيس الدكتاتور" وكانوا يتحسرون وهم يشاهدون رؤساء العالم المتقدم في أشكال كاريكاتيرية شتى عبر الصحف والمجلات الأجنبية.

كما انشغل قسم آخر من المعرض بالتحولات الاجتماعية والظواهر البيئية كالإضرابات التي عرفتها تونس في شتى القطاعات، مما أدى إلى كوارث بيئية منها تراكم القمامة بسبب إضراب عمال النظافة.

الانتخابات التونسية شكلت موضوعا دسما اشتغل عليه رسامو الكاريكاتير (الجزيرة نت)

الكاريكاتير والانتخابات
تتمثل قيمة الكاريكاتير في قدرته على مقاربة الأحداث والتحولات التي تمر بها الشعوب، وذلك نتيجة ارتباطه بالصحافة اليومية والأسبوعية والرقمية. ولذلك مثلت الانتخابات التشريعية والرئاسية موضوعا دسما وفرصة مهمة للرسامين ليقدموا أعمالا جديدة، راصدين فيها أحلام المترشحين وتنازلاتهم ومواقفهم وبرامجهم الانتخابية والسياسية.

وطفح المعرض بالصور الساخرة من المترشحين والتناقضات التي وقعوا فيها أثناء حملتهم الانتخابية أو أثناء ممارستهم للسلطة والتحالفات السريالية التي عقدها البعض منهم ببعضهم الآخر. ولم يسلم تيار سياسي في تونس -إن كان يسارا أو يمينا أو ليبيراليا أو تقدميا- من وخز ريشة الرسامين المرحين اللاذعين.

كما تميز هذا المعرض بحضور الريشة النسائية، فقد ظل الكاريكاتير فنا رجاليا بامتياز نتيجة ارتباطه بعالم السياسة ونقد الظواهر الاجتماعية، ولذلك نادرا ما نعثر على رسامة للكاريكاتير مقارنة بحضور المرأة في بقية الفنون التشكيلية، ولا نكاد نذكر إلا تجارب محدودة مثلتها الفنانة الفلسطينية أمية جحا أو الرسامة العراقية شيرين حسن الراوي.

وعلى عكس هذا الواقع المنفر للقادمات إلى الكاريكاتير، تكسر الفنانة ليليا هلول هذه الصورة النمطية لهذا الفن باعتباره فنا ذكوريا لتقتحمه وتضع بصمتها في أعمال فنية كانت لصيقة بالسياسة، متجاوزة أفق أنظار متتبعي الكاريكاتير.

وتؤكد الفنانة ليليا هلول أن الكاريكاتير في العالم العربي بقي ذكوريا لانسداد الآفاق، والمشكلة تتعدى المرأة الكاريكاتيرية إلى وضع الكاريكاتير نفسه، وتذكر أن أعمالها لوحقت ومنعت حتى في مجلات الأطفال، حيث تُذكر حادثة سحب عدد من مجلة "عرفان" الشهيرة التي أقدمت على رسم بن علي كاريكاتيريا دون أي تعليق يسيء إليه.

تحرر هش
وفي تصريح خاص بالجزيرة نت، يقول الكاريكاتيري رشيد الرحموني "إن التحرر الذي عرفه الكاريكاتير ما زال هشا، فالخط التحريري للصحيفة يبقى عائقا أمام انطلاقة الريشة الكاريكاتيرية لأن أغلبية الصحف أصبحت تخدم أجندات سياسية معينة".

واستغرب الرحموني من تعامل وزارة الثقافة مع فناني الكاريكاتير كفنانين من الدرجة الثانية فتعرضوا للإقصاء من المعارض الفنية التي تنظمها احتفاء بالثورة التونسية في الوقت الذي تقدم على تنظيم معارض للفن التشكيلي، مع أن الكاريكاتير كان إحدى وسائل التعبير والمقاومة لزمن الاستبداد بحكم ارتباط هذا الفن بالشأن السياسي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة