أسطورة الفرادة الأميركي   
الاثنين 20/11/1432 هـ - الموافق 17/10/2011 م (آخر تحديث) الساعة 17:52 (مكة المكرمة)، 14:52 (غرينتش)

 

يروق للأميركيين فكرة أن الولايات المتحدة تملك تفردا واستثنائية بين العالمين، لكنها للأسف فكرة زائفة.

ستيفين وولت

طالما رددت بعض النخبة الأميركية طوال قرنين مقولة "الاستثنائيةّ/التفرد الأميركي"، فوصفوا الولايات المتحدة بأوصاف شتى: "إمبراطورية الحريات"، "المنارة المضيئة"، "ملاذ البشرية الآمن "، "رائدة العالم الحر"، "الأمة الضرورة" إلخ.

هذه "الطقوس الشوفينية" ربما تفسر نزوع جميع مرشحي الرئاسة إلى استلهام كل ما يعكس إيمانهم بهذه المقولات بمن فيهم الرئيس باراك أوباما الذي يؤمن بالتفرد الأميركي، لكنه في نهاية المطاف "تفرد" لا تختلف عن "التفرد البريطاني" و "التفرد اليوناني" وكل الفرادات التي تصبغها بلدان أخرى على نفسها.
وجه الخطأ في الصورة المتخيلة لدور الولايات في العالم هو أنها في الغالب مجرد أسطورة

معظم مقولات "الاستئنائية الأميركية" تنطلق من افتراض بأن منظومة قيم الولايات المتحدة ونظامها السياسي وتاريخها، فريدة من نوعها وتستحق أن تحوز إعجاب العالم. وكلها تستبطن أيضا "قناعة" ضمنية بأن الولايات المتحدة جديرة بأن تلعب دورا متميزا وإيجابيا على المسرح الدولي.

وجه الخطأ في هذه الصورة المتخيلة لدور الولايات المتحدة في العالم هو أنها في الغالب مجرد أسطورة. صحيح أن أميركا تمتلك صفات فريدة، كشيوع التدين وتقديس الحرية الفردية، إلا أن هذا الدور تمليه في المقام الأول القدرة النسبية لأميركا والطبيعة التنافسية المتأصلة في السياسة الدولية. إن تركيز الأميركيين على تفردهم المفترضة يعميهم عن إدراك أنهم في الحقيقة كالآخرين.

هذه العقيدة الراسخة "بالتفرد الأميركي" تجعل من الصعب على الأميركيين أن يدركوا سبب ضعف حماسة الآخرين لهيمنة الولايات المتحدة وقلقهم من سياساتها وكرههم لما يعتبرونه نفاقا أميركيا سواء كان الأمر متعلقا بحيازة الأسلحة النووية أو احترام القانون الدولي أو نزوعها لإدانة سلوك الآخرين دون أن تدرك إخفاقاتها.

ومن المفارقات أن السياسة الخارجية الأميركية ربما تكون أكثر فعالية لو كان الأميركيون أقل تمسكا بهذا التفرد وأكثر زهدا في ادعائه.

ما نحتاجه، باختصار، هو تقييم أكثر واقعية وأشد نقدا للشخصية والإسهامات الأميركية. وفي هذا السياق، أسوق الأساطير الخمس الكبرى المؤسسة للتفرد الأميركي.

الأسطورة الأولى
عندما يفاخر الشعب الأميركي "بتفرده" وبأنه "الأمة الضرورة"، فما هو إلا آخر المنضمين إلى جوقة ما تزال تردد معزوفة قديمة مألوفة. والاعتقاد "بالاستثنائية" هو القاعدة وليس الاستثناء
كلما أشار الزعماء الأميركيون إلى المسؤوليات "الاستثنائية" للولايات المتحدة، يقولون إنها تختلف عن القوى الأخرى وإن هذه الاختلافات تتطلب منهم أن يتحملوا أعباء خاصة.

لا، ليس ثمة ما هو استثنائي في هذه الادعاءات، فهم إنما يسيرون في طريق مطروق، فمعظم القوى العظمى كانت تعتبر نفسها متفوقة على منافسيها وتعتقد بأنها كانت تفيض بالخير على البشرية بفرضها خياراتها على الآخرين.

فالبريطانيون كانوا يعتقدون بأنهم يتحملون "عبء الرجل الأبيض" والمستعمرون الفرنسيون رفعوا شعار "المهمة الحضارية" لتبرير سياساتهم الإمبراطورية، والشعار نفسه رفعه البرتغاليون. وحتى كثير من قادة الاتحاد السوفياتي السابق اعتقدوا في فترة ما أن امبراطوريتهم تقود العالم حقا نحو "يوطوبيا اشتراكية" برغم ما ارتكبه النظام الشيوعي بحق مواطنيه وبحق الآخرين.

لا شك أن الولايات المتحدة أولى من ستالين وخلفائه بادعاء الفضيلة، لكن (الرئيس باراك) أوباما كان محقا حينما ذكرنا بأن جميع الدول لديها ما تفخر به.

لذلك فعندما يفاخر الشعب الأميركي "بتفرده" وبأنه "الأمة الضرورة"، فما هو إلا آخر المنضمين إلى جوقة ما تزال تردد معزوفة قديمة مألوفة. والاعتقاد "بالاستثنائية" هو القاعدة وليس الاستثناء. (يتبع)
______________________
أستاذ العلوم السياسية بجامعة هارفارد الأميركية

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة