ريدلي سكوت يحقق التوازن في فيلم "ملكوت السماء"   
الاثنين 1/4/1426 هـ - الموافق 9/5/2005 م (آخر تحديث) الساعة 21:57 (مكة المكرمة)، 18:57 (غرينتش)
 
يتناول فيلم ملكوت السماء (Kingdom of Heaven) المرحلة الوسطى من تاريخ الغزو الصليبى للقدس تلك التي انتهت بخروج الصليبيين من المدينة المقدسة ودخول القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي إليها منتصرا.
 
وتبدأ أحداث الفيلم الذي أخرجه الإنجليزي ريدلي سكوت عام 1188م, بعد مائة عام من نجاح حملة الصليبيين الأولى التي انتهت ببسط سيطرتهم الكاملة على القدس. ويأخذنا الفيلم بداية إلى فرنسا ليعرفنا بباليان الشخصية الرئيسية التي يؤديها الممثل الشاب أورلاندو بلوم.
 
باليان حداد يائس يفقد الأمل في الحياة بعد أن انتحرت زوجته حزنا على وفاة طفلها الرضيع. وهنا تعود من القدس مجموعة من المحاربين الصليبيين بقيادة الفارس غودفري (ليام نيسون) سيد مقاطعة إيبلين, ليخبر باليان بأنه ابنه الذي أنجبه من علاقة آثمة في الكرك جنوبي الأردن, لينهي حداد ابنه ويقنعه بالتوجه إلى القدس طلبا للتوبة والمغفرة بعد أن خسر ابنه وزوجته في فرنسا.
 
يقتنع إيبلين الشاب بكلام غودفري ويتوجه إلى القدس مع المهاجرين المسيحيين عن طريق ميناء ميسينا الإيطالي, فتغرق سفينته ثم ينجو بفعل أمواج البحر التي دفعته إلى الشاطئ.
 
ورغم أن باليان الذي توفي والده في ميسينا متأثرا بجراح أصيب بها في معركة بفرنسا دخل القدس وزار مكان صلب المسيح, لم يفارقه الشعور بالخطيئة.
 
يتعرف إيبلين في القدس على شباب من أتباع والده ويخبرونه بأنهم يمثلون جماعة "الهوسبيتاليين" غير المتشددة التي تدعو للتعايش السلمي بين المسيحيين والمسلمين واحترام المقدسات الدينية.
 
كما يتصدى زعيم الجماعة تايبيرياس (جيرمي آيرونز) إلى نزعات الفرنسي رينالد دو شاتيون (بريندان غليسون) ومواطنه غي دو لوسينيان (مارتن تشوكاس) لخرق الهدنة مع صلاح الدين الأيوبي (غسان مسعود) وشن "حرب مقدسة" على المسلمين. 
 


أفلام ريدلي سكوت حصدت الذهب في الكثير من المهرجانات (رويترز-أرشيف)
إصرار لوسينيان
ثم هناك شخصية دو لوسينيان وبصفته زوج سيبيلا (إيفا غرين) أخت حاكم القدس المصاب بالبرص الملك بولدوين الخامس (إدوارد نورتون) -يظهر طيلة الفيلم مرتديا قناعا حديديا- يصر على تنفيذ خطته مستغلا وفاة ملك القدس في وقت لاحق من الفيلم وتنصيب سيبلا إياه ملكا على المدينة بعد وفاة أخيها في ظروف غامضة بعد أن شن الفرنسيان هجوما على إحدى قوافل المسلمين وقتل "دو شاتيون" أخت صلاح الدين واحتفظ بجثتها.
 
هنا تبلغ الأحداث ذروتها ويصبح الصليبيون أمام خيار وحيد هو شن الحرب على جيش صلاح الدين أو صد هجوم كاسح من جيش المسلمين المتمركز في دمشق والبالغ عدده أكثر من 200 ألف مقاتل.
 
وعندما يقرر جيش الغزاة الخروج لمقارعة المسلمين في الصحراء يرفض باليان الذي ظن لو لوسينيان أن أتباعه قتلوه في إيبلين, إبعاد الجند عن الماء, محذرا من أن تلك الحرب ستعني هلاكهم لأن صلاح الدين ينتظر خروجهم إليه.
 
وبعد أن يخسر الصليبيون الموقعة ويقتل دو شاتيون فيها ويؤسر دو لوسينيان يصبح باليان -سيد إيبلين الجديد- أمام خيار واحد هو تنفيذ طلب الملكة سيبيلا المغرمة به, بحماية سكان القدس من جيش صلاح الدين الجرار المدجج بأحدث وأقوى الأسلحة.
 
وعلى الفور يبدأ باليان بتنفيذ خطة دفاعية لحماية أسوار المدينة من منجنيقات صلاح الدين، ويتحول الأرمل اليائس إلى قائد لجيش من العوام بعد أن منح مقاتليه لقب فرسان.
 
وفي ختام حرب ضروس بين جيش المسلمين والصليبيين, ينتصر المسلمون ويخرج باليان لمقابلة صلاح الدين عند أسوار القدس في أول لقاء يجمع بينهما في الفيلم.
 
يتفق باليان مع صلاح الدين على تسليم القدس مقابل ضمان المسلمين لأمن الصليبيين أثناء مغادرتهم المدينة المقدسة. ويتعجب باليان كيف سيفعل المسلمون ذلك في حين قتل الصيلبيون المسلمين عندما دخلوا القدس أول مرة.
 
هنا تنتهي الحملة الصليبية الثانية وينتهي الفيلم مع بداية الحملة الصليبية الثالثة التي قادها ملك بريطانيا ريتشارد قلب الأسد.
 
الصورة الرمزية
أجمل صورة سينمائية نجح ريدلي سكوت والسيناريست ويليام موناهان في كتابتها هي تلك العلاقة التي أحدثاها بين باليان الذي لا يفارقه الشعور بالخطيئة, والماء الذي يرمز في السينما والأدب إلى تطهير الضمير من عذابه
وعندما يسدل الستار على الفيلم يتساءل المشاهد المسلم لماذا لم يركز العمل على صلاح الدين بدلا من باليان سيد إيبلين؟ والجواب، حسب سكوت, هو أن الفيلم ببساطة ليس عن صلاح الدين وإنما عن أحداث تلك الحقبة. لقد أراد سكوت خلق صورة متوازنة وموضوعية لسلوك الطرفين بالاستناد إلى مصادر إسلامية وأوروبية لتاريخ الحروب الصليبية.
 
وبعد أن ينتهي الفيلم تبقى في الذاكرة صور كثيرة كتبت بلغة سينمائية رائعة ونفذت بتقنيات عالية بمساعدة آخر ما توصلت إليه صناعة السينما في القرن الـ21.
 
ولعل أجمل صورة سينمائية نجح ريدلي سكوت والسيناريست ويليام موناهان في كتابتها هي تلك العلاقة التي أحدثاها بين باليان الذي لا يفارقه الشعور بالخطيئة والماء الذي يرمز إلى تطهير الضمير من عذاباته.
 
فنرى أن باليان عندما كان حدادا في فرنسا يستخدم الماء لتبريد الحديد الساخن بعد طرقه، وأوصلته أمواج البحر إلى اليابسة بعد أن أغرقت سفينته، وكان الماء أول أشكال الحياة التي قابلها عند القدس والواسطة التي تعرف من خلالها على ناصر (ألكسندر صديق) أول عربي في طريقه إلى المدينة المقدسة.
 
وبواسطة شربة ماء تعرف باليان على حبيبته الملكة سيبيلا، وبالماء المتدفق من الآبار الارتوازية أحيا مدينة إيبلين التي كانت ميتة بعد وفاة والده. وبالماء أطفأ حرائق القدس التي أشعلتها نيران منجنيقات جيش المسلمين.
 
وفي ختام الفيلم وبعد كل هذه الصور المتبادلة بين الماء وباليان, ظل بطل الفيلم, الذي نجح في الحفاظ على أرواح سكان القدس وحقن الدماء مع صلاح الدين, يشعر بذنب الخطيئة. غير أن صديقه ناصر أخبره بعبارة ودود "لو لم يحبك الله لما مكنك من إنجاز كل ما أردته".


_____________
الجزيرة نت 
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة