أثرياء الصين.. الهجرة إلى الشوكة والسكين   
الاثنين 6/10/1437 هـ - الموافق 11/7/2016 م (آخر تحديث) الساعة 21:25 (مكة المكرمة)، 18:25 (غرينتش)

علي أبو مريحيل-بكين

يرفض جانغ بوو -الطالب الصيني بمعهد الموسيقى في بكين- تلبية أي دعوة من زملائه الغربيين قبل أن يتقن استخدام الشوكة والسكين على المائدة، بعد أن تعودت أصابعه على مداعبة عيدان الأكل، ذات البعد الرمزي الأصيل في الثقافة الصينية.

عيدان الأكل التي طالما كانت رمزا للبعد السلمي في الثقافة الصينية، تكاد اليوم تفقد قيمتها في ظل التحول الكبير الذي يشهده المجتمع الصيني نحو حياة البذخ والترف، فلم تعد امتدادا لأصابع اليد كما نظر إليها الصينيون القدماء، بل أصبحت مصدر إرباك وإزعاج لكثير من الشباب والأثرياء الصينيين.

التحولات التي تشهدها الصين، وسياسة الانفتاح التي انتهجتها، بدأتا تفرز حياة ترنو إلى تقليد بعض أنماط الثقافة الغربية، خاصة في أوساط طبقة الأغنياء، وشريحة الشباب، الذين لا يخفي بعضهم الشعور بالخجل لعدم معرفته بقواعد "الإتيكيت" الغربي والتصرف في المناسبات العامة.

طالبة صينية تنتظر بداية الحصة التدريبية الخاصة بتعليم الإتيكيت وآداب المائدة (الجزيرة نت)

معضلة حمل الدجاجة
ويتحدث جانغ بوو عن شعوره بالخجل أمام زملائه من الطلبة الأجانب، ليس لأنه لا يتقن اللغة الإنجليزية، بل لأنه لا يجيد استخدام الشوكة والسكين حين يكون ضيفا على موائدهم الغربية.

ويقول للجزيرة نت "في إحدى المرات دعاني صديق فرنسي إلى بيته مع مجموعة من الأصدقاء، وقدم لنا دجاجا مشويا، وكنت الصيني الوحيد في المجموعة، ولما بدأنا تناول الطعام شعرت بأن الجميع يراقبني، يريدون أن يعرفوا كيف يمكن أن تحمل الدجاجة بعودين".

وأثرت الحادثة في بوو لدرجة أنه منذ ذلك الحين قاطع موائد زملائه الغربيين حتى يتعلم تناول الطعام بالشوكة والسكين على الطريقة الغربية.

وفي ظل الانفتاح وانتشار الثراء في المجتمع الصيني بات الأغنياء في هذه البلاد يسعون إلى الظهور بمظاهر نظرائهم الغربيين، من خلال الحرص على تعلم قواعد "الإتيكيت" وتعليم أبنائهم في معاهد خاصة.

وفي عاصمة الثراء الصيني شغنهاي -التي شهدت قبل أيام افتتاح مدينة ديزني لاند- تنتشر مراكز تعليم "الإتيكيت" وقواعد وآداب المائدة الغربية، التي تشكل العائلات الصينية الثرية أهم زبائنها.

وبموازاة ذلك، يحرص بعض الأثرياء الصينيين في شنغهاي على تعليم أبنائهم الثقافة الغربية، ويستقدمون معلمين أجانب لذلك، يدرسون اللغة الإنجليزية، ويقدمون حصصا في فن الإتيكيت، وكيفية التصرف في المناسبات العامة والرحلات الخارجية.

ووفقا لمركز "كي إي إي" (KEE) في شنغهاي فإن الحصة الواحدة تكلف نحو ثلاثة آلاف يوان (خمسمئة دولار أميركي)، ويشارك غالبا في هذه الدروس أبناء المسؤولين الكبار في الدولة.

عيدان الصينيين ما تزال تصارع الشوكة والسكين (الجزيرة نت)

ضريبة الانفتاح
ويرجع باحثون صينيون هذا التحول إلى سياسة الانفتاح التي اتبعتها الصين في العقود الأخيرة، ويخشون من أن يؤثر ذلك على بنية المجتمع الصيني، ويؤدي إلى هوس شبابها بالغرب ونمط حياته وثقافته.

وترى دان بينغ أستاذة علم النفس في جامعة جينان أن هذا التحول الملحوظ في أنماط حياة الصينيين هو نتيجة طبيعية لسياسات الانفتاح التي حكمت البلاد في العقود الأخيرة.

وتقول بينغ للجزيرة نت إنه من المحزن أن يشعر الصيني بالخجل من تاريخه وإرثه الثقافي، أمام الانبهار بمن يفترض أنهم جاؤوا إلى البلاد بدافع الفضول، للاطلاع على ثقافتها وحضارتها.

وتضيف أنه على الصينيين ألا ينسوا أنهم حتى وقت قريب كانوا يعانون من ويلات الحرب والجوع والحرمان.

وفي المقابل، يرى مراقبون صينيون أن ظاهرة التحول في المجتمع الصيني نحو حياة البذخ والترف ظاهرة صحية، من شأنها أن تحسن الصورة الدولية لبلادهم على المستويين الشعبي والرسمي.

ويستحضر بعض هؤلاء الانتقادات التي وجهتها ملكة بريطانيا إليزابيث الثانية إلى المسؤولين الصينيين بسبب سوء تصرفهم مع السفيرة البريطانية في بكين في إحدى المناسبات الدبلوماسية، حيث وصفت السلوك الصيني بالفظ، وهو ما اعتبره الصينيون إهانة لهم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة