تحقيق اختراق في مجال اللقاحات   
الخميس 1435/2/3 هـ - الموافق 5/12/2013 م (آخر تحديث) الساعة 19:20 (مكة المكرمة)، 16:20 (غرينتش)

واين سي كوف*

إن اللقاحات هي واحدة من قصص النجاح العظيمة في تاريخ الصحة الفردية والعامة، فلقد ساعدت اللقاحات على تخليص الكوكب من وباء الجدري، وهي في طريق القضاء على شلل الأطفال. وفي كل سنة تنقذ ملايين الأرواح وتقلل من المعاناة والنفقات التي تتسبب بها الأمراض المعدية. 

لكن لا تزال هناك العديد من الأمراض التي لا يوجد لها لقاحات بعد، كما أنه من المستبعد أن تنجح الإستراتيجيات التي قادت في السابق إلى التطوير الناجح للقاحات في العمل الفعال ضد البكتيريا أو الفيروسات المعقدة مثل فيروس نقص المناعة البشرية "إتش آي في" والذي طور آليات متعددة لتجنب جهاز المناعة.

إن تاريخ علم اللقاحات هو تاريخ يمهد فيه التقدم الحاصل في الطب الحيوي والتقني للجيل القادم من اللقاحات. إن الاختراق الذي تم تحقيقه في الخمسينيات والذي مكن الفيروسات من النمو ضمن زراعة الأنسجة أدى إلى تطوير اللقاحات الحية القائمة على إضعاف الفيروسات، واللقاحات القائمة على الفيروسات غير المفعلة وذلك ضد أمراض الحصبة وشلل الأطفال وغيرها من الأمراض. وفي الثمانينيات فإن تقنية الحمض النووي المعدل وراثيا قادت لتطوير لقاحات ضد مرض التهاب الكبد الوبائي "ب" وفيروس الورم الحليمي البشري.

لا تزال هناك العديد من الأمراض التي لا يوجد لها لقاحات بعد، كما أنه من المستبعد أن تنجح الإستراتيجيات التي قادت في السابق إلى التطوير الناجح للقاحات في العمل الفعال ضد البكتيريا أو الفيروسات المعقدة مثل فيروس نقص المناعة البشرية "إتش آي في" والذي طور آليات متعددة لتجنب جهاز المناعة

إن أول تسلسل للمادة الجينية البشرية أدى إلى "عكس اللقاح". لقد تم استخدام هذه المقاربة -القائمة على أساس التحليل الحسابي للمادة الجينية للأمراض مما يساعد في التعرف على أهداف أكبر للقاحات مقارنة بالماضي- في التطوير الناجح للقاحات ضد التهاب السحايا "ب".

إنجازات كبيرة
شهد العقد السابق تحقيق إنجازات كبيرة في اكتشاف اللقاحات القائمة على أساس التركيبة والبيولوجيا التركيبية وبيولوجيا الأنظمة ومراقبة المناعة. ولكن لا تزال هناك عوائق أمام استغلال تلك النجاحات في تطوير الجيل القادم من اللقاحات، علما أن السبب وراء تلك العوائق هو الفجوات في فهمنا لرد فعل جهاز المناعة البشرية ضد عناصر محددة من البكتيريا أو الفيروسات أو الطفيليات.

ولهذا السبب اقترحت مع ثمانية من زملائي العلماء تأسيس مبادرة جديدة للأبحاث السريرية مبنية على أساس علم المناعة البشرية تدعى مشروع اللقاحات البشرية، وفي فبراير/شباط من العام القادم سوف يجتمع كبار العلماء والمختصين في الصحة العامة في لاجولا، كالفورنيا من أجل صياغة خطة علمية لمعرفة المشاكل الرئيسية والتي تعيق حاليا تطوير اللقاحات ضد أمراض مثل الإيدز والسل والملاريا وتحديد الأولويات بشأنها والتوصل لحلول لها، وهو الأمر الأهم. 

إن مثل هذا المشروع يمثل نقلة نوعية في تطوير اللقاحات. إن العملية الحالية هي عملية طويلة عادة ما تمتد عقودا من الفكرة إلى الترخيص واحتمالية نجاحها ضئيلة بسبب محدودية عمل النماذج الحيوانية في توقع ردة فعل المناعة البشرية وفعاليتها، وهي أيضا مكلفة، إذ عادة ما تصل تكلفة تطوير لقاح واحد لمئات الملايين من الدولارت.

في السنوات القليلة الماضية فشلت العديد من اللقاحات ضد أمراض نقص المناعة البشرية وحمى الضنك والهربس والسل والمكورات العنقودية الذهبية بتكلفة تزيد عن مليار دولار أميركي. إن استثمار مثل هذا المبلغ ضمن جهد منسق للتعامل مع الأسئلة الرئيسة التي تواجه تطوير اللقاحات سوف يعمل على تسريع بحثنا عن حلول فعالة سوف تحدث تأثيرا كبيرا على الصحة الفردية والعامة.

أكبر تحد
إن فيروس نقص المناعة البشرية يمثل أكبر تحد نظرا لأن الفيروس يستفيد من التقلب الجيني المكثف من أجل الاختباء من النظام المناعي. ولكن في الاكتشافات الأخيرة تمكن العلماء من تحديد مناطق عالية الحفظ في هذا الفيروس المتقلب، كما تمكنوا من تحديد تركيبتها الجزيئيه وبدؤوا بتصميم لقاح الجيل القادم من أجل انتزاع أجسام مضادة تستهدف تلك المناطق وذلك من أجل منع العدوى من فيروس نقص المناعة البشرية. ولكن تطوير لقاح فيروس نقص المناعة البشرية مثل غيره من الأمراض تحد من نجاعته محدودية النماذج الحيوانية في إفادتنا بكيفية الحصول على ردة فعل المناعة الضرورية في البشر. 

اللقاحات تنقذ أرواح مليونين إلى ثلاثة ملايين إنسان كل عام وتقلل من المعاناة البشرية وتخفف من العبء الملقى على عاتق أنظمة الرعاية الصحية، وتساعد في التنمية الاقتصادية والاجتماعية السريعة

إن اثنين من التطورات التي حدثت مؤخرا يمكن أن تسرع من تطوير اللقاح وتخفض من تكلفته بشكل دراماتيكي، ففي البيولوجيا التركيبية فإن الهندسة السريعة للقاحات القائمة على أساس الحمض النووي تعني أن هناك لقاحات محتملة أكثر تنتقل بشكل أسرع من الفكرة إلى الاختبار، وفي بيولوجيا الأنظمة زادت تقنيات عالية الإنتاجية عدد العوامل المتغيرة الوراثية والمناعية في التجارب. إن هذه المقاربة قد ساعدت في توقع فعالية لقاحات الجيل الجديد المحتملة ضد الحمى الصفراء والإنفلونزا ضمن أيام من التطعيم مقارنة بالأطار الزمني في الماضي والذي كان يمتد لشهور أو سنوات. 

أرواح الملايين
إن اللقاحات تنقذ أرواح مليونين إلى ثلاثة ملايين إنسان كل عام وتقلل من المعاناة البشرية وتخفف من العبء الملقى على عاتق أنظمة الرعاية الصحية، وتساعد في التنمية الاقتصادية والاجتماعية السريعة. إن النماذج تظهر أن إضافة لقاح فيروس نقص المناعة البشرية الفعال جزئيا إلى المجموعة الحالية من إجراءات الوقاية والعلاج يمكن أن يخفض بشكل دراماتيكي معدل عدوى فيروس نقص المناعة البشرية. 

وكما قال الحائز على جائزة نوبل للسلام ديزموند توتو -وهو أحد أكبر النشطاء في مجال محاربة الإيدز- إنه يجب أن نحقق الاستفادة القصوى من التقدم العلمي الذي تم إحرازه خلال النصف الأخير من القرن الماضي، والذي تمكن من جعل اللقاحات لأمراض يمكن الوقاية منها أفضل استثمار من حيث القوة وفعالية من حيث التكلفة. 

هذه هي الفكرة خلف مشروع اللقاحات البشرية وهو مفهوم لم يكن أحد يتصوره حتى قبل عقد من الزمن. أما اليوم فإن التقدم التقني الذي تم إحرازه في اكتشاف اللقاحات ومراقبة الجهاز المناعي يسمح لنا بشكل واقعي في استكشاف مقاربة ممكنة وفعالة من أجل الوقاية من الأمراض. إن الاجتماع في كالفورنيا في فبراير/شباط القادم يمكن أن يقربنا كثيرا لعالم بدون أمراض معدية مميته.
_______________
* نائب الرئيس وكبير العلماء في مبادرة لقاح الإيدز العالمية

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة