صفحة من محاكمات الفساد بالأردن   
الثلاثاء 8/3/1433 هـ - الموافق 31/1/2012 م (آخر تحديث) الساعة 22:13 (مكة المكرمة)، 19:13 (غرينتش)

جانب من مسيرة في مدينة الطفيلة جنوبي الأردن ضد الفساد (الجزيرة-أرشيف)

محمد النجار-عمان

مع بدء التحقيق مع مدير المخابرات الأردنية الأسبق الجنرال محمد الذهبي بتهمة "غسيل الأموال" تكون صفحة جديدة من المحاكمات التاريخية قد فتحت بالأردن والتي يرى سياسيون أنها ستمتد لمحاكمة المرحلة السابقة كلها والتي باتت رؤوس كثيرة فيها مطلوبة بتهم الفساد.

وبدأ التحقيق مع الذهبي مطلع الأسبوع الجاري في قضية غسيل أموال تبلغ قيمتها بحسب صحيفة الرأي الأردنية شبه الحكومية ثلاثين مليون دينار (42.2 مليون دولار) ويتورط فيها بحسب التحقيقات الأولية عدد من كبار ضباط المخابرات في عهد الذهبي (2005-2009).

وتشير المعلومات التي تتداولها وسائل إعلام شبه رسمية إلى أن من بين المتورطين ضابطا كبيرا كان مسؤولا سابقا في أحد المراكز الحدودية مع دولة عربية مجاورة يتهم الذهبي بالمساهمة في تهريب أموال لرجال أعمال من هذه الدولة للأردن.

وقرر الادعاء العام الحجز التحفظي على الأموال المنقولة وغير المنقولة للذهبي ومنعه من السفر، فيما تتضارب المعلومات عن الجهة التي ستحاكمه بين محكمة دائرة المخابرات باعتبار الأفعال التي ارتكبها الذهبي كانت خلال توليه المسؤولية، أم القضاء العسكري باعتبار ما جرى جريمة اقتصادية، أم القضاء المدني.

وبعيدا عن جدل تفاصيل القضية التي كان لافتا حجم ما نشرته مواقع إلكترونية حولها فإن جانبا آخر لاحظه مراقبون لتناول الشارع لها تمثلت بمستوى "الصدمة" من حجم شبهات الفساد ونوعية الأشخاص المتهمين بقضايا كان يفترض بموجب وظيفتهم مكافحتها ومنعها.

يتم التحقيق مع الذهبي بقضية غسيل أموال تبلغ قيمتها بحسب صحيفة الرأي الأردنية 42.2 مليون دولار (الجزيرة)

تجارب سابقة
واستعاد الشارع محاكمة مدير المخابرات الأسبق سميح البطيخي مطلع الألفية الثالثة فيما عرف بقضية التسهيلات البنكية والتي حكم عليه فيها بالسجن ثماني سنوات تم تخفيضها للنصف.

وتضاف قضية الذهبي لتحقيقات تجريها النيابة العامة في قضايا شبهات فساد منها قضية كازينو البحر الميت التي سيحقق فيها خلال أيام مع رئيس الوزراء السابق معروف البخيت، بعد أن تم التحقيق والاستماع لشهادات رؤساء وزراء ووزراء سابقين.

واللافت أن الاتهامات بالفساد والتي باتت تتداولها أوساط سياسية ووسائل إعلام طالت شخصيات بارزة تولت مناصب رفيعة في عهد الملك عبد الله الثاني، منها رئيس الوزراء السابق علي أبو الراغب الذي يطالب معارضون بمحاكمته على خلفية تسجيل آلاف الدونمات من الأراضي باسم الملك.

كما طالت رئيس الديوان الملكي الأسبق باسم عوض الله في ملف الخصخصة وبرنامج التحول الاقتصادي، ووزراء ومسؤولين سابقين بعضهم من "العيار الثقيل" في ملفات أمانة عمان وسكن كريم وغيرها من التي حقق فيها البرلمان والقضاء على حد سواء.

وزاد من حجم غضب الشارع تجاه جدية الدولة فيما يتعلق بمكافحة الفساد الاستقالة المدوية لعضو هيئة مكافحة الفساد عبد الرزاق بني هاني الذي قال نواب للجزيرة نت إنه استقال بسبب ضغوط مرجعيات عليا عليه لوقف التحقيق في برنامج التحول الاقتصادي.

الإمارة والتجارة
وكان المعارض البارز ليث شبيلات انتقد مرارا في رسائل وجهها للملك الأردني ما اعتبره "الجمع بين الإمارة والتجارة" لدى الحكم في الأردن، كما انتقد "البزنس" الذي يمارسه كبار المسؤولين والمحيطين بالملك.

وأضاف -بخصوص الاتهامات الموجهة لمسؤولين كبار سابقين في الدولة بنوع من التهكم- "من الذي أتى بهؤلاء الذين يتهمون اليوم بالفساد؟ هل نحاسب الشعب الأردني الذي انتخبهم؟ المطلوب محاكمة الذي سلمهم المسؤوليات".

شبيلات انتقد "البزنس" الذي يمارسه كبار المسؤولين والمحيطين بالملك (الجزيرة-أرشيف)

وتابع شبيلات في حديث للجزيرة نت "هل هؤلاء لوحدهم أم لديهم شركاء؟ لماذا نحاكم أحد الشركاء؟ المطلوب أن نحاكم كل الشركاء".

في المقابل يرى المحلل السياسي سلطان الحطاب أنه لا يجوز أن تجرى محاكمات الفساد عبر الإعلام ويدان متهمون قبل أن تبدأ محاكماتهم.

وقال للجزيرة نت إن المعركة ضد الفساد تحتاج لقدرات غير طبيعية وجهاز إداري يتمتع بالحرفية والتخصص لا إلى إدانات لشخصيات بمجرد ورود أسمائهم في الإعلام.

واعتبر الحطاب أنه يجب الفصل بين رغبة الشارع بمحاكمة شخصيات يعتقد أنها فاسدة، وبين الحقيقة والقانون في المواجهة، "لأن الأمور إذا اختلطت فإننا سنصل لمرحلة نجد فيها أن المجتمع كله فاسد بل أن البعض في الشارع بات يسلم بأن الدولة فاسدة وهذا غير صحيح".

وانتقد الحطاب ما وصفه "فزعة الدولة" في مكافحة الفساد و"ادعاء مسؤولين سابقين الحكمة بأثر رجعي"، وتساءل "أين كان كل هؤلاء المسؤولين عندما ارتكب الفساد في عهدهم؟".

وخلص للقول بأن مكافحة الفساد أشبه بغرفة عمليات تحتاج لتعقيم جيد وطبيب ماهر ومناخ صحي وإلا فإن المريض سيموت.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة