أميركا تعزز وجودها بالخليج.. فما الداعي؟   
الخميس 1433/8/1 هـ - الموافق 21/6/2012 م (آخر تحديث) الساعة 14:52 (مكة المكرمة)، 11:52 (غرينتش)
هل ينذر التمدد الأميركي في المنطقة العربية بمزيد من التوتر؟ (الجزيرة)
عبد العظيم محمد الشيخ

تنوي الولايات المتحدة تعزيز وجودها في الخليج العربي بنشر مزيد من القوات في الكويت في إطار مساعيها للحفاظ على مكانتها باعتبارها القوة العسكرية الكبرى الوحيدة في المنطقة.

ورد هذا المقترح في تقرير من 37 صفحة أعدته مؤخرا لجنة العلاقات الخارجية بالكونغرس بهدف إعطاء الجيش الأميركي مزيدا من المرونة في التعامل مع الصراعات المفاجئة التي قد تندلع في الشرق الأوسط.

ويعتبر هذا الانتشار الجديد نتيجة مباشرة لسحب واشنطن قواتها من العراق في ديسمبر/كانون الأول 2011.

وهذا يعني في حقيقة الأمر أنه لا القوات الأميركية قد ابتعدت من المنطقة ولا عتادها العسكري قد أُخرج منها. فكل الذي حدث هو ببساطة أن أعدادا كبيرة منها عبرت الحدود إلى الكويت للانضمام إلى رفاقهم المقيمين أصلا في ثلاث قواعد أميركية تعمل مرافق للتموين وإيواء الجنود وميادين للتدريب ومراكز دعم للعمليات في المنطقة.

إلى جانب ذلك فإن حدود الكويت محمية ببطاريات صواريخ من طراز باتريوت تعد عنصرا مهما في إستراتيجية الدفاع الصاروخي التي وعدت الولايات المتحدة بها حلفاءها.

ويبلغ قوام القوات الأميركية المتمركزة في دول مجلس التعاون الخليجي الست نحو 40 ألف جندي.

ويأتي هذا التوسع في الوجود الأميركي في منطقة الشرق الأوسط المضطربة أصلا على خلاف التحول المعلن في مصالح الولايات المتحدة تجاه منطقة آسيا والباسفيك.

فما هي الدواعي التي اقتضت مثل هذا التوسع؟ وهل لهذه الخطوة من جانب واشنطن علاقة بتطورات الملف النووي الإيراني في ضوء تعثر جولات التفاوض مع طهران الواحدة تلو الأخرى؟

ترى بعض أجهزة الإعلام الروسية أن الولايات المتحدة بتعزيز وجودها العسكري في الخليج إنما تريد التأكيد على أنها لم تنس حلفاءها العرب، وأن واشنطن ترغب في الاضطلاع بدور القوة العسكرية العظمى في المستقبل المنظور.

غير أن هناك من يرى أن من شأن هذه الخطوة أن تضفي مزيدا من الغموض على الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط التي تشهد بعض دولها انتفاضات شعبية في إطار ما دُرج على تسميتها بالربيع العربي.

كما لا يمكن قراءة هذا التوسع بمعزل عن انتهاء العمليات القتالية الأميركية في العراق أواخر العام المنصرم والهواجس التي تستبد بالولايات المتحدة وحلفائها من برنامج إيران النووي.

مهما يكن من أمر فإن منطقة الشرق الأوسط مقبلة في ما يبدو على حقبة أخرى من التوتر وعدم الاستقرار وربما تخللتها حروب وصراعات بعضها بالوكالة في إطار سعي القوى الكبرى لتصدير أزماتها ونزاعاتها إلى خارج حدودها

ثمة بعض الدوائر داخل الولايات المتحدة تشير إلى أن إيران هي المقصودة بهذا الحشد العسكري المتعاظم، ذلك أن الدلالات التي ينطوي عليها واضحة وضوح الشمس.

فهذا مايكل سينغ –كبير مستشاري شؤون الشرق الأوسط السابق بمجلس الأمن القومي الأميركي- يقول إن الخطة الرامية لزيادة أعداد القوات في الخليج تأتي في وقت حرج بالنسبة للمؤسسة العسكرية الأميركية.

فمنطقة الشرق الأوسط –يضيف سينغ- "تمور بالاضطرابات مورًا لدرجة أنه يتعذر علينا تخيل مختلف أنواع الصراعات التي قد تندلع وتشكل تحديا لمصالحنا".

ويمضي الخبير الأميركي إلى القول إن ثمة اعتقادا في المنطقة بأن الولايات المتحدة بدأت في الانسحاب، وهي نظرة تسعى إيران –كما يقول سينغ- لإشاعتها لمآربها الخاصة كأن تزعم أن "أميركا تنسحب من المنطقة لأن إيران هي التي طردت القوات الأميركية".

ويضيف قائلا إن من مصلحة وزارة الدفاع (البنتاغون) أن تثبت خطأ هذه الرواية.

وفي ذات الوقت، لا تزال هناك أسئلة معلقة بشأن الوجود العسكري الأميركي في المنطقة في ضوء المؤشرات على نية الإدارة تقليص ميزانية الدفاع, وفي أعقاب التحول الإستراتيجي نحو منطقة آسيا والمحيط الهادي (الباسفيك).

وينصح التقرير الحكومة الأميركية بأن "تُكيِّف وجودها العسكري بحيث لا تثير نقمة شعبية" لكن عليها في الوقت نفسه الاحتفاظ بقدر من القوة "يُمكِّنها من حماية التدفق الحر للموارد الطبيعية الحيوية وخلق توازن قوة مع إيران".

ولا يتعلق الاهتمام الأميركي بالمنطقة بالجانب العسكري وحده فهناك عوامل جيوإستراتيجية أخرى لا تقل أهمية –إن لم تكن أهم- عن هاجس التصدي لإيران وكبح جماح الإرهاب.

ولعل الجانب الاقتصادي يشكل أحد اهتمامات الولايات المتحدة الراهنة بالمنطقة علما بأنه كان العامل الأهم على الإطلاق لها فيما مضى عندما لم تكن المنطقة تعرف مثل هذا التهافت الدولي على مواردها.

فقد جاء في تقرير الكونغرس أن استقرار منطقة الخليج، التي يحتوي باطن أرضها على أكثر من نصف احتياطيات العالم من النفط وما يربو على ثلث موارد الغاز الطبيعي، "يُعد عنصرا حيويا للاقتصاد العالمي".

وأضاف التقرير أن المنطقة "تواجه تحديات سياسية وأمنية ضخمة بدءا من برنامج إيران النووي إلى خطر الإرهاب والأزمة السياسية في البحرين".

ويبدو أن الوجود العسكري الأميركي في طريقه للتمدد أكثر فأكثر في المنطقة. فاستنادا إلى موقع استخباري إسرائيلي اسمه دبكا، فإن الولايات المتحدة ترغب في إقامة قواعد عسكرية في سوقطرة وهي أرخبيل يمني يقع في المحيط الهندي، وجزيرة مصيرة التابعة لسلطنة عمان.

ومهما يكن من أمر فإن منطقة الشرق الأوسط مقبلة في ما يبدو على حقبة أخرى من التوتر وعدم الاستقرار وربما تخللتها حروب وصراعات بعضها بالوكالة في إطار سعي القوى الكبرى لتصدير أزماتها ونزاعاتها إلى خارج حدودها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة