أبو الفتوح: توريث الحكم بمصر ستمنعه أجهزة السلطة   
الأربعاء 1428/9/21 هـ - الموافق 3/10/2007 م (آخر تحديث) الساعة 16:59 (مكة المكرمة)، 13:59 (غرينتش)
أبو الفتوح: لاحظت تدهورا شديدا في خدمات الأونروا (الجزيرة نت) 

حاوره في بيروت: أواب المصري
قال الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح إن عجز النظام المصري عن مواجهة قوى المعارضة سياسياً دفعه لمواجهتها بالقمع البوليسي. واعتبر عضو مكتب الإرشاد في الإخوان المسلمين في حوار أجرته معه الجزيرة نت خلال زيارته بيروت، أن خيار العنف ليس مطروحاً على أجندة الإخوان، وهنا نص الحوار:

ما هي مناسبة زيارتكم لبنان؟

أنا هنا بصفتي الأمين العام لاتحاد الأطباء العرب، ولست بصفتي عضوا في مكتب الإرشاد في الإخوان المسلمين.
 
جئت لزيارة نقابة أطباء لبنان، ولتفقد المشاريع الإغاثية الخاصة التي يشرف عليها الاتحاد، وزيارة عدد من المخيمات الفلسطينية، ومن بينها مخيم البداوي.

كيف وجدت أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في المخيمات التي زرتها؟

تعاني المخيمات حالا بائسة جدا وظروفا معيشية واضحة القسوة. للأسف حال المخيمات غاية في السوء والتخلف واللاإنسانية، بينما العالم كله يتفرج على الفلسطينيين الذين أُخرجوا من ديارهم مرة عام 1948، ومرة ثانية عام 1967، والآن مأساة مخيم نهر البارد، وانتقال أكثر من 25 ألف نازح من نهر البارد إلى مخيم البداوي الذي كان ضيقاً بأهله أصلا.
 
وقد لاحظت إهمالا شديدا في الخدمات التي تقدمها منظمة الأونروا، وهي تكاد ترفع يدها عن تقديم الخدمات لهؤلاء اللاجئين.

"
النظم العربية في معظمها تجاوزت كل حدود احترام حقوق الإنسان
"
بالانتقال للشأن المصري، أنتم الآن في لبنان، أي أنكم خرجتم من مصر عبر معابرها الشرعية دون أي مضايقة أو منع، ألا يحسب هذا نقطة إيجابية لصالح النظام المصري بترك قيادات الإخوان المسلمين يخرجون مصر دون مضايقات؟

إن تناول المسائل بهذا الأسلوب ينطلق وكأننا كُتب علينا عربا ومسلمين الظلم والطغيان وسلب حقوقنا، وحين لا يحدث هذا يعتبر ذلك أمرا إيجابيا.
 
أنا ضد هذا النمط من التفكير. فحين يعيش المرء حياته الطبيعية ويمارس حقوقه تعتبر هذه إيجابية، وكأن النظم العربية والإسلامية وُجدت من أجل ظلم شعوبها واعتقالهم ومنع حرياتهم ومصادرة حقوقهم.
 
هذا نمط سيئ من التفكير ولا يجوز أن نجاريه، حتى من باب تشجيع هؤلاء، بل يجب أن يؤخذ على يد الظالم.
 
والنظم العربية في معظمها تجاوزت كل حدود احترام حقوق الإنسان، ويجب الأخذ على أيديها من شعوبها لأنها في النهاية من المفروض أن تكون خادمة لشعوبها لا مستعلية عليهم.

الإخوان المسلمون يتعرضون منذ فترة لجولة جديدة من اعتقال كوادرهم وقياداتهم، والتضييق على أفرادهم. ما الذي يدفع النظام كي يضيّق الخناق على الإخوان ويعتقل قيادييهم؟

من الواضح أن النظام المصري فاشل على المستوى السياسي وعلى كل المستويات الباقية. فهو يعتمد على حزب وهمي يُعتبر ناديا لأصحاب المصالح وهو الحزب المسمى الحزب الوطني.
 
وهذا ليس حزباً حقيقياً، وهو لا يعدو أن يكون تجمعاً أو نادياً لأصحاب المصالح الذين يجمعون بين السلطة والثروة في طريقة حكمهم للوطن. وبالتالي فإن هذا الحزب غير قادر سياسياً على مواجهة قوى المعارضة المصرية وفي قلبها الإخوان المسلمون.
 
لأن المواجهة السياسية تعني أن يرشح رجاله ونساءه في مواجهة المعارضة ومنافستهم على المستوى السياسي السلمي الديمقراطي منافسة شريفة. فينشط كما ينشطون، ويواجههم في ساحات العمل السلمي، ويكتسب شعبية كما يكتسبون.
 
لكن بما أن النظام فاشل أصلا ولا يلتف حوله أحد من أبناء شعبنا ولا جمهور له أصلاً، لذلك هو لم يجد وسيلة لمواجهة قوى المعارضة خاصة الإخوان المسلمين إلا بالقمع. فتحولت وزارة الداخلية إلى حزب السلطة الفعلي.
 
لكنه للأسف ليس حزباً سياسياً سلمياً، بل حزبا يواجه المعارضين مواجهة بوليسية قمعية، فيعتقل المعارضين والصحفيين والسياسيين، ويمارس كل وسائل القمع البوليسي لمواجهتهم لأنه في النهاية عاجز عن مقارعتهم سياسياً.

"
ليست هناك مهادنة بيننا وبين النظام، فهذا نظام مستبد وفاسد، ونحن لسنا راضين عنه ولا رغبة لدينا في استمراره
"
في تحليلكم للأمور، هل يمكن أن يكون من أهداف التضييق على جماعة الإخوان المسلمين وحصارهم دفعهم نحو مسار عنفي مسلح، وهل للنظام مصلحة في اتخاذ الإخوان هذا المسار؟

لا شك أن بعض أجنحة النظام تفكر في تحول قوى المعارضة للعنف وتعتبر أن هذا الأمر يصب في مصلحته، لأن هذا يمنحه المزيد من الحظوة عند القوى الدولية التي ترفع راية مواجهة الإرهاب. لكن هذه المسألة لا تصلح مع الإخوان.
 
فمسألة استخدام العنف في التغيير ليست مطروحة عند الإخوان أصلا، والتزامهم المنهج الديمقراطي السلمي أصبح خياراً إستراتيجياً وليس خياراً تكتيكياً، وبالتالي لا يستطيع النظام أن يدفع الإخوان نحو العنف. فهم ليسوا مؤهلين لاستخدام العنف أصلاً.
 
لكن خطورة المسألة التي يجب أن نحذر منها تكمن في أن هناك تياراً دينياً في المجتمع المصري ليس من الإخوان.
 
فالإخوان هم الجزء الراشد من هذا التيار، لكن محاصرة هذا التيار الديني بالطريقة التي ينتهجها النظام ستدفعه حتماً للانزلاق إلى اتجاهات عنفية، لن يكون الإخوان المسلمون أحد مكوناته.
 
وهذا سيباعد بين مكونات هذا التيار الديني والإخوان، وهنا الخطورة، لأن أفراد الإخوان أصبحوا راشدين وعاقلين ومدركين مصلحة وطنهم العليا، التي تتناقض مع استخدام العنف.
 
وسيؤدي الحصار المفروض على الإخوان للتباعد بين جمهور كبير من الشباب المتدين المقبل على الإخوان، وسيذهب إلى الجماعات الظلامية وتيارات العنف التي تشكل خطراً على الوطن.
 
كيف تجزم بعدم انزلاق الإخوان إلى العنف رغم أن الحصار والتضييق يواجه الإخوان أينما توجهوا؟ وكيف تضمن ألا يؤدي هذا الضغط إلى لجوء الجماعة لمسارات عنفية تشكل تنفيساً عن الضغط الذي يعانيه الإخوان؟

أنا أجزم بالأمر لأن طبيعة التربية الإخوانية والخيار الذي تربى عليه شباب الإخوان لا يؤهلهم ولا يجعل العنف ضد السلطة أحد خياراتهم.
 
فنحن نرفض هذا ولا نرضى به، ليس حفاظاً على السلطة التي نتمنى أن تزول، بل حفاظاً على الوطن. لأنه لو تفشى استخدام العنف في المجتمع المصري فلن تكون ضحية هذا العنف السلطة، بل الوطن أجمع.
 
إن حالة الانفجار الشعبي الموجودة ضد السلطة كبيرة، والناس من كل طبقات المجتمع تعيش كراهية شديدة تجاهها، وهذا يجعل انفلات الأمور خطراً على مصر كلها.

هل من أصوات داخل صفوف الإخوان لا سيما الشباب تطالب بوقف مهادنة النظام ومواجهته؟  

بالطبع هذا الأمر موجود في كل المستويات، وهذا أمر طبيعي ونتيجة طبيعية للظلم والطغيان الذي نتعرض له.
 
ففي القرآن قال تعالى "لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظُلِم". فالله سبحانه وتعالى أباح للمظلوم أن يجهر بالسوء من القول، ومن الطبيعي أن يجهر الناس ويئنون.
 
لكن ليست هناك مهادنة بيننا وبين النظام، فهذا نظام مستبد وفاسد، ونحن لسنا راضين عنه ولا رغبة لدينا في استمراره. لكن الخيار الذي اتخذناه هو مصلحة الوطن العليا. فهل من مصلحة مصر التي تؤوينا ونحرص عليها أن نستخدم العنف أو القوة لتحقيق أهدافنا. 

شاركتم في الانتخابات النيابية الماضية وحصدتم 88 مقعداً، هل أنتم مستعدون لتكرار التجربة أم أنكم نادمون على المشاركة؟

إطلاقاً، إن المشاركة في الانتخابات تمت انطلاقاً من خطة موضوعة، ونحن كنا قادرين على المشاركة في كل المقاعد، لكننا لم نشارك سوى بثلث أعضاء المجلس الذين نجح منهم 88 وأسقط النظام 40 منهم بالتزوير كما اعترف رئيس الوزراء المصري نفسه.
 
الذي تحقق في إطار ترتيبنا وتخطيطنا هو أننا نريد أن نوجد في مجلس الشعب لأن النظام السياسي ليس نظاماً ديمقراطياً، ووجود أغلبية في المجلس لا قيمة له.
 
وبالتالي كان هدفنا ليس حيازة أغلبية من أجل الحكم، فهذا لن يتحقق حتى لو فزنا بجميع مقاعد مجلس الشعب.
 
فالرئيس هو الذي يتحكم في جميع السلطات القضائية والتشريعية والتنفيذية. وحين تقرأ الدستور المصري تجد أن أكثر من 52 مادة تمنح السلطة لرئيس الدولة.
 
كما أن تداول السلطة غير موجود حتى على مستوى اتحاد الطلبة. فالنظام الذي لا يقبل أن يُجري انتخابات طلابية نزيهة هل يقبل أن يُجري انتخابات سياسية وبرلمانية؟ هذا غير وارد.

"
توريث ابن الرئيس غير صحيح، ولا يقبله لا الشعب المصري ولا أجهزة الدولة نفسها
"
ما قيمة وجودكم في مجلس النواب إذن، وما هي الإضافة التي قدمتموها من خلال هذه المشاركة؟

نحن نمارس رقابة تشريعية على الحكومة والنظام. وهذا نجح فيه نوابنا بشكل كبير حين استخدموا كافة آليات العمل البرلماني من أسئلة وطلبات إحاطة واستجوابات لمراقبة الحكومة وكشف عوراتها وسقطاتها والفساد الموجود فيها.
 
الأمر الثاني هو أننا أصحاب رسالة وبرنامج، وبالتالي بات من حقنا أن نعتلي منبر البرلمان لإعلان برنامجنا وأفكارنا. وهذا المنبر له تأثيره على جمهورنا وشعبنا.

تدور الأحاديث في الصالونات السياسية عن رغبة الرئيس المصري في توريث الحكم لابنه. لماذا ترفضون توريث الحكم في مصر لابن الرئيس، وما هي مشكلتكم مع هذا الطرح؟

نحن نعمل على أن تحصل انتخابات رئاسية حقيقية يترشح فيها من يريد الترشح. أما أن تورث مصر فنحن ضد هذه المسألة بشكل قطعي، سواء كانت وراثة سياسية أو وراثة عائلية. مصر منذ عام 1952 وهي تورث سياسياً. عبد الناصر ورثها لأنور السادات، والسادات ورثها لحسني مبارك، وبالتالي نحن ضد مبدأ التوريث سواء كان سياسياً أو عائلياً.

لكن من الممكن أن يكون الحكم في مصر أفضل من الوضع الحالي؟

سيكون أسوأ بلا شك. فاستمرار التوريث يعني مزيداً من الانحدار والتخلف وتغييب الإرادة الشعبية، ومزيداً من تغييب الانتماء الشعبي للوطن وتغييب الإبداع. إن إنقاذ الوطن لا يكون إلا بالحرية والعدالة، وهذا أعظم ما جاء به الإسلام. 

إذا جرت انتخابات رئاسية ديمقراطية وفاز فيها ابن الرئيس، فهل لديكم مشكلة في ذلك؟

هذا حقه، فإذا انتخب بشكل ديمقراطي حقيقي وشفاف فهنيئاً له. ليس لنا موقف شخصي ضد الرئيس ولا ابنه. إن رفضنا نابع من موقف مبدئي وهو أن يأتي رئيس مصر بانتخاب حر. وهذا يعني أن يفتح الباب لكافة الذين تتوافر فيهم الشروط للترشح، ويتم انتخاب حر حقيقي ومنافسة نزيهة.

"
ارتفاع سقف النقد يعبر عن حجم الاستياء في المجتمع
"
هل تتوقع أن تمضي الأمور في مصر قدماً باتجاه التوريث؟

لن يحصل توريث في مصر، لأن مصر أكبر من أن تُحكم كما حُكمت بلاد أخرى. وبالتالي فإن ما يشيعه الإعلام من أن مصر تتجه إلى توريث ابن الرئيس غير صحيح، ولا يقبله لا الشعب المصري ولا أجهزة الدولة نفسها.  

تبدو واثقاً من ذلك، هل تلقيتم تطمينات دولية ستحول دون حصول التوريث؟

ليست هناك تطمينات دولية، أجهزة الدولة نفسها هي الضمانة. فمازالت هناك أجهزة لا تقبل أن تُحكم مصر بهذه الطريقة. مازالت لدينا مؤسسات تحوز كل تقدير واحترام، ولديها سلطة لا بأس بها، وهي لن تسمح لهذه المهزلة بأن تحصل. فضلاً عن الرفض الكامل للشعب المصري للتوريث. فلا توجد شريحة في الشعب المصري على أي مستوى تقبل أن تتم رئاسة مصر بالوراثة.

يشهد الشارع المصري حراكاً وحيوية وجرأة غير مسبوقة في انتقاد النظام والرئيس وصلت حد الشتيمة عبر وسائل الإعلام. ما سر هذه الجرأة المفاجئة في رأيك؟

إن ارتفاع سقف التعبير والنقد للنظام، وفضح ممارساته الاستبدادية والفاسدة بات أمراً شائعاً في الشارع المصري وتقوده بالدرجة الأولى الصحافة المصرية، التي يرجع إليها الفضل في رفع سقف التعبير بمصر، مما دفع بالسلطة إلى ترصد الصحافة ومواجهتها. ولعلّ آخر فصول هذه المواجهة حكم السجن الذي طال رؤساء تحرير بعض الصحف.
 
إن ارتفاع سقف النقد يعبر عن حجم الاستياء في المجتمع. فالنظام لشدة غبائه السياسي أصبح في معركة مع كافة شرائح المجتمع، وليس مع الإخوان فقط. قد تكون معركته مع الإخوان هي الأشرس سياسيا، لكنه في خلاف وتنابذ مع القضاء والصحفيين وأساتذة الجامعات والأحزاب.
 
حتى العمال ثاروا واعتصموا في كثير من المصانع والشركات احتجاجا على المظالم التي يتعرضون لها.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة