فيلم "عراف الماء".. احترام الآخر والحروب العبثية   
الاثنين 1436/6/23 هـ - الموافق 13/4/2015 م (آخر تحديث) الساعة 15:08 (مكة المكرمة)، 12:08 (غرينتش)
أمير العمري*

يعيد فيلم "عراف الماء" القادم من أستراليا فتح ملف معركة غاليبولي الشهيرة التي وقعت عند مضيق الدردنيل في تركيا خلال الحرب العالمية الأولى.

ويأتي الفيلم بعد مرور مائة عام بالتمام والكمال على وقوع المعركة التي استمرت من 25 أبريل/نيسان 1915 حتى 9 يناير/كانون الثاني 1916، وتمكنت في نهايتها القوات التركية من إنزال هزيمة قاسية بالقوات البريطانية وحليفاتها (فرنسا ونيوزيلندا وأستراليا) التي كانت تسعى لاحتلال مدينة إسطنبول، وأرغمتها على الانسحاب.

غير أن الأتراك تكبدوا في تلك المعركة خسائر بشرية هائلة فاقت ما تكبدته القوات الغازية. وتقدر بعض المصادر خسائر تركيا بنحو مائة ألف قتيل، بينما بلغت خسائر القوات المتحالفة نحو ثمانين ألف قتيل، بينهم حوالي ثمانية آلاف جندي أسترالي.

التصالح مع الماضي
لكننا لسنا أمام فيلم حربي عن البطولات والتضحيات، رغم ما يحتويه من مشاهد كثيرة للمعارك الضارية التي دارت هناك بين القوات الأسترالية والقوات التركية، ثم بين الأتراك واليونانيين الذين قاموا بمحاولة لغزو تركيا فيما بعد.

فالموضوع الأساسي للفيلم يدور حول كيفية التصالح مع الماضي، ومع الذات، والقدرة على الغفران وتقدير تضحيات الطرف الآخر، تماما كما يقدر المرء التضحية الكبيرة بثلاثة من أبنائه فُقدوا في الحرب.

بطل الفيلم مزارع أسترالي في أوائل الخمسينيات من عمره هو "كونور"، الذي يقوم بدوره الممثل الأسترالي راسل كرو، وهو نفسه مخرج الفيلم في أول تجربة له في الإخراج السينمائي.

يعيش "كونور" في منطقة ريفية في أستراليا بعد مرور سنوات على نهاية المعركة التي فقد فيها أبناءه الثلاثة الذين كانوا جنودا في الجيش الأسترالي، وهو الآن يمارس مهنة اكتشاف أماكن وجود المياه الجوفية، من خلال موهبته الخاصة في معرفة تلك الأماكن بنوع من الحدس الخاص.

وفي الوقت نفسه تتداعى في ذاكرته علاقته بأبنائه الثلاثة الغائبين، وكيف أنه يعتبر نفسه بشكل ما مسؤولا عن مصيرهم بعد أن ظل يزرع في نفوسهم فكرة ضرورة أداء الواجب الوطني.

زوجته لا تزال تعيش الحداد، ترفض قبول الأمر الواقع، وتلومه على تقاعسه عن البحث عن أبنائهما، وعندما يبلغ بها اليأس مبلغه، تضع حدا لحياتها بيدها.

عند ذلك يحزم الرجل أمره، ويتوجه إلى تركيا. وفي إسطنبول يرفض المسؤولون في السفارة البريطانية منحه تصريحا بدخول منطقة المعركة، لكنه يجد طريقه بنفسه إلى هناك بمساعدة ضابط تركي شارك في المعركة إلى جانب قوات بلاده، والآن أصبح يشعر بالتعاطف مع كونور، ويقنع الضابط الأسترالي المسؤول عن إحصاء عدد القتلى من جيش بلاده في المعركة بمساعدته، لكونه "الأب الوحيد الذي جاء للبحث عن أبنائه" كما يقول، وكان قد حدث "تطبيع علاقات" بين الأطراف القديمة المتنازعة بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية وتأسيس الدولة التركية الحديثة.

بلاغة بصَرية
يستخدم الفيلم -على نحو رمزي- المقاربة بين مهنة كونور كعراف للماء، يمتلك موهبة العثور على أماكن الآبار في الصحاري الأسترالية، وبين اقتفائه آثار أبنائه الثلاثة في أرض غريبة عليه، إلى أن يتوصل بالفعل إلى أن أكبرهم لا يزال على قيد الحياة، ويصل إليه في مكانه ليعرف أنه غاضب عليه لأنه لم يكترث لسنوات بالبحث عن مصير أبنائه.

ينجح راسل كرو في إخراج الكثير من المشاهد الصعبة المؤثرة، ينسج ببراعة بالتعاون مع مدير التصوير البارع مشاهد كثيرة في الفيلم برقة وفي بلاغة بصرية مدهشة، ويجسد -دون ابتذال- علاقة تعاطف متبادل بين "كونور" وامرأة تركية شابة تدعى "عائشة"، هي صاحبة الفندق الصغير الذي يقيم فيه.

وكما فقد هو أبناءه، فقدت عائشة زوجها في الحرب ولا تعرف مصيره حتى الآن، وتقوم وحدها بتربية ابنها وهو طفل في العاشرة من عمره، وتتعرض لمضايقات شقيق زوجها الذي يريدها أن تنصاع لرغبته في الزواج منها.

كما ينسج الفيلم ملامح علاقة أخرى بين كونور والضابط التركي الذي يصحبه في رحلة بقطار يتعرض خلالها لهجوم شرس من جانب المسلحين اليونانيين الذين يقدمهم الفيلم مجموعة من المجرمين الهمجيين، بينما يقدم الأتراك في صورة إيجابية، كما يكشف جهل ذلك الأسترالي القادم من الخارج عند لحظة وصوله إلى الفندق عندما يتساءل بعد أن يسمع أصوات الأذان في المدينة: ماذا يبيعون؟ فتقول له عائشة: إنهم لا يبيعون شيئا.. بل هو أذان لصلاة المغرب.

إنصاف المسلمين
ينجح "كرو" المخرج في استخلاص أقصى ما يمكنه من المشاهد الطبيعية، ويركز بشكل خاص على فكرة أن الخسائر المشتركة بين الأطراف المختلفة في الحرب يمكن أن تقرب فيما بينها، وذلك من خلال إدارة المشاهد التي تضم كونور والضابط التركي (الميجور حسن).

فيلم "عراب الماء" هو أحد أهم الأفلام المناهضة للحرب بشكل عام، التي تبرز أنها عادة ما تنتهي بخسارة مشتركة بين جميع الأطراف

كما يركز الفيلم على بطولات الأتراك في مواجهة الغزاة، ويؤكد أنهم فقدوا أيضا الكثير من أبنائهم أثناء دفاعهم المشروع عن بلادهم، كما يسخر على لسان الميجور حسن من جهل الغرباء الأجانب بطبيعة البلاد عندما يجعل حسن يقول للضابط الأسترالي: لا يجوز أن تغزو بلدا لا تعرف أين يقع على الخريطة!

وبوجه عام، يعتبر "عراف الماء" من أكثر الأفلام الغربية التي ظهرت عن "الآخر" الشرقي، المسلم، التركي، توازنا وإنصافا، لدرجة أن معالجته للموضوع أثارت غضب بعض النقاد البريطانيين الذين اعتبروا أن فيه نوعا من "التملق المغالى فيه"، والتقليل من شأن التضحيات التي قدمها البريطانيون ورفاقهم في هذه المعركة.

وفيلم "عراب الماء" هو أيضا أحد أهم الأفلام المناهضة للحرب بشكل عام، التي تبز أنها عادة ما تنتهي بخسارة مشتركة بين جميع الأطراف، وهو بهذا ينتمي إلى الأفلام الشهيرة في تاريخ السينما العالمية التي تناهض الحروب، منذ فيلم "كل شيء هادئ في الميدان الغربي" (1930) للويس مايلستون، و"طرق المجد" (1957) لستانلي كوبريك، إلى "سفر الرؤية الآن" (1978) لفرنسيس كوبولا، و"خيط أحمر رفيع" لتيرنس ماليك (1998)، وغير ذلك.
______________ 

* كاتب وناقد سينمائي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة