"حب.." سمير قسيمي بين الوجود والعدم   
السبت 21/10/1435 هـ - الموافق 16/8/2014 م (آخر تحديث) الساعة 14:01 (مكة المكرمة)، 11:01 (غرينتش)

هيثم حسين

يركز الجزائري سمير قسيمي في روايته "حب في خريف مائل" على صراع الهامش والمتن، يسلط الأضواء على هوامش متعددة في مساهمة لإعادة الاعتبار إلى الشخصيات التي طحنتها دوامة الحياة في ظل الإقصاء والتجاهل، ويأتي اشتغاله على عوالم التهميش قلبا للمعادلة التي تسقط فئات الشعب المختلفة من أطرافها وعناصرها، وتظل وقفا على أولئك الذين يحتكرون الامتيازات بهذه الحجة أو تلك.

وفي استكمال للعبة الهامش والمتن تحضر خدعته الروائية حين يوحي للقارئ أن هناك من كتب الرواية، وهو المؤلف الضمني الذي يضعه في الصدارة "نور الدين بوخالفة"، بحيث إن الروائي ينوب محله، ويكتب عنه حكايته، أو الحكاية التي كان يفترض أن يكتبها، ويستمر في لعبة الإيحاء بين المؤلف الحقيقي والضمني في الرواية، بحيث يتحول الراوي إلى محرك للخيوط وناسج للأحداث، والكاتب المفترض إلى مستمع وناسخ للحكايات وناقل تالٍ لها.

يسعى قسيمي في روايته إلى تصوير تاريخ بلده الحديث من خلال شخصية بطله العجوز، وتظهير الصور من أكثر من مكان في البلاد، ملتقطا ملامح المتغيرات ومعالم المنعطفات المهمة، وكيف انتقل البلد من مرحلة التأسيس المفترضة إلى التنكيل بأبنائه عبر إغراقهم في سجون البحث عن مأوى ومطعم، مما أدى إلى تبديد الطاقات عوضا عن إيجاب استغلالها وتوظيفها في بناء الدولة والمجتمع.

ظل العدم
يتأرجح بطل الرواية بين الوجود والعدم، يبحث عن معنى لوجوده في ظل العدم الذي يشعر به متعاظما في داخله، ولا ينطلق من نظرة تشاؤمية عدمية لتحليل العالم وتفكيك عناصره وأدواته، بل يتنامى لديه شعور باللا جدوى إزاء ما يعيشه وما يعمله، ذلك أن معاناته تفقده المباهج وتبقيه أسير هواجسه وقلاقله.

غريبان يلتقيان في مكان عام، يتجاذبان أطراف الحديث، يغدو أحدهما للآخر قريبا، على قاعدة أن الغريب للغريب قريب أو نسيب

غريبان يلتقيان في مكان عام، يتجاذبان أطراف الحديث، يغدو أحدهما للآخر قريبا، على قاعدة أن الغريب للغريب قريب أو نسيب، يبدد كل منهما الضغوطات التي تجثم على صدره بالإفصاح عنها للآخر، يروّح عن نفسه بالتعبير والبوح، ويشمل الحديث مناحي عدة في الحياة الخاصة والعامة.

قاسم أمين الذي يبلغ 85 عاما ينقل لصديقه خلاصة تجاربه الحياتية، هو الذي مر بالكثير من التجارب واكتسب كثيرا من الخبرات والمعارف، ينقل العبر والحكم في قصصه وحكاياته، يبحث عن معنى للوجود، يصبح الآخر مرآته للكشف عن داخله والتفكير معه بصوت عالٍ، كأنه يعيد ترتيب فصول حياته معه من جديد، يعود إلى طفولته البائسة وتشرده وقضائه عقودا على سيارته التي كانت بيته ومصدر رزقه في الوقت نفسه.

يستعيض الروائي عن تطور الحكاية وتصاعد الصراع بين الشخصيات بإثارة السجال حيال مواضيع أو مفاهيم بعينها، فترى بطله يتفلسف مدليا بتنظيراته الوجودية التي لا تخلو من عبثية قد تبدو استفزازية أحيانا، يتنقل من حضن امرأة إلى حضن أخرى، هو الذي يفتقد دفء البيت/الوطن، يبحث عن وطن بديل لا يعثر عليه، يدلي بدلوه في مختلف المجالات: الحياة والموت، الهزيمة والانتصار، الانتظار والترقب، الكذب والحقيقة، السعادة والشقاء، الماضي والمستقبل، الغربة والمنفى، الدين والعقيدة.. وغير ذلك من المواضيع التي تلفته.

مصارحة ومصالحة
يوجب قسيمي في عمله البحث عن سبل للتحاور والتصارح بغية التمكن من تخفيف الأعباء، بحيث يمهد ذلك للمصالحة العامة، سواء مع الذات أو الآخر، مع الماضي أو المستقبل. ويكون التأكيد على ضرورة إزالة القيود من خلال تذكيره الدائم بها، حتى أن بطله يحتفظ بكتاب بطله المفترض "الجدار" في مسعى للتأكيد على الالتزام بوصاياه في تحطيم الجدران التي تقيد العقول والقلوب والأرواح، حتى يتسنى له ولأبناء بلده إدراك حقيقة أن تصالُح المرء مع ذاته أسمى غاية في الوجود.

وفي الفصل الأخير يروي حكاية قصيرة عن أحدهم تدور حول راعٍ عشق أميرة وأراد أن يبوح لها بحبه وعوض أن يصارحها كان يبني جدارا وينقش عليه أشعار وجده بها، وفي ظنه أنها ستمر بجداره وتقرأ أشعاره، لكنها لم تفعل ذلك، وحين أعياه الانتظار وأراد إخبارها بنفسه اكتشف أنه جعل بينه وبينها عشرات الجدران حالت دون وصوله إليها.

تختصر هذه القصة سيرة بلد ورحلة أبنائه في انطلاقهم نحو المستقبل، إذ إن ملحمة العبور تستلزم الجرأة وتستوجب المغامرة والإقدام

ربما تختصر هذه القصة سيرة بلد ورحلة أبنائه في انطلاقهم نحو المستقبل، إذ إن ملحمة العبور تستلزم الجرأة وتستوجب المغامرة والإقدام، ناقلا عبرة لافتة تكمن في أن النتائج تصنعها الأفعال لا النوايا، تلك التي غالبا ما تصبح جدرانا تمنعه من تحقيق ما كان يصبو إليه.

ويرمز صاحب "الحالم" إلى ضرورة البحث عن الحب لأن من شأنه تحريك المياه الراكدة وبث الحركة الدائبة والأمل المتجدد. ويشير إلى أنه لا عمر محددا للحب، بل هو ملح الأعمار كلها، ولا بدّ من وجوده كي يمنح الحياة جوهرا حقيقيا. ورغم أنه يختار لأبطاله مصائر مؤلمة فإنه يسوقهم إلى حتفهم محملين بطاقة الحب، وإن كان في خريف العمر.

يُكثر قسيمي من الحوارات في روايته كأنه بصدد مسرحة فصول منها، وتكون الحوارات بمثابة إعطاء هامش أكبر للشخصيات كي تعبر عن نفسها بعيدا عن وصاية الروائي، وإفساحه المجال لبطله العجوز كي يكمل تمرده المتأخر وثورته وهو ينازع أنفاسه الأخيرة، ويؤكد أن الإكثار من الجدران المكهربة داخل المرء نفسه، وداخل المجتمع ذاته يحوّل كل شيء إلى قنابل موقوتة تنفجر عند أي تماس.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة