خيارات محدودة للقذافي   
الأربعاء 1432/4/5 هـ - الموافق 9/3/2011 م (آخر تحديث) الساعة 18:35 (مكة المكرمة)، 15:35 (غرينتش)

خيارات القذافي باتت محدودة بعد فشله في سحق سريع للثورة (رويترز)

بعد أكثر من عشرين يوما على اندلاع الثورة في ليبيا وتحذير العقيد معمر القذافي من فتنة وحرب أهلية إذا تواصلت، يبدو النظام الليبي في مأزق حقيقي مع تحقيق الثورة المزيد من المكاسب من ناحية، وعدم اقتناع الداخل والخارج بسيطرة القذافي على الوضع في البلاد من ناحية أخرى.

وازداد الوضع سوءا بالنسبة للنظام الليبي بعد استتباب سيطرة الثوار على الشرق الليبي والإعلان عن مجالس وهيئات سياسية وعسكرية لإدارة الثورة وتسيير شؤون المناطق المسيطر عليها وتمددها باتجاه مدينة سرت مسقط رأس القذافي.

وجاء اعتراف فرنسا بـالمجلس الوطني الليبي الانتقالي ولقاء الأوروبيين بعض قادته وتلميح جهات أخرى إلى اتصالات معه، ليفاقم الوضع أكثر بالنسبة لنظام القذافي، وليعطي مزيدا من الأمل للثورة ورجالها.

المجلس الوطني الانتقالي الليبي حظي باعترافات دولية (الجزيرة) 
أوراق تلاشت
ويبدو القذافي -وقد بلغت منه الثورة كل مبلغ- أمام واقع صعب وخيارات محدودة، فكبرياؤه الذي اصطنعه طيلة العقود الماضية ومكانته "العظيمة" بين الأمم وقادتها –بحسب ما يرى- لا تسمح له بتقليد سابقيه (بن علي ومبارك) في حين أن بقاءه متشبثا بكرسي يترنح وتتوالى الضربات من حوله قد يكلفه وأسرته غاليا، ومع الوقت قد يفقد زمام المبادرة بشكل نهائي.

في مستهل الثورة كان القذافي يعول بالأساس على عدة أوراق أهمها:
- ثورة شعبية عارمة ضد مثيري الشغب تقضي على الثوار وتعيد الطمأنينة للبلاد، ويبدو أن "غرور" الرجل جعله يثق تماما بأن الشعب "المسلح" سينتفض لصالحه، ولأجل ذلك أعطى سقفا زمنيا ضئيلا لانسحاب الثوار وإلا فإن "ملايين" من الشعب الليبي ستتصدى لهم وتطردهم وتلاحقهم "بيت بيت دار دار، زنكة زنكة.."، لكن ذلك لم يتم بل بدا الشعب الليبي منحازا للثورة ومرحبا بها وخصوصا في المناطق التي دخلتها.

- حسم عسكري سريع تتولاه الكتائب الأمنية التي يقودها عدد من أبنائه، وكان القذافي يعول عليها بدرجة كبيرة في سحق الثورة نتيجة لقوة البطش والقتل التي تتمتع بها ولسابق عهدها في وأد الاحتجاجات والاضطرابات ضد النظام، ومع الوقت بدا أن هذه الكتائب بما تملكه من قوة وعتاد غير قادرة على وقف زحف الثورة رغم العنف والدمار التي واجهت وتواجه به حاليا الثورة في مدن مثل مدن الغرب الليبي.

- خارجيا كان العقيد يعول على إثارة هلع الغربيين من فزاعة القاعدة التي ادعى أنها تقف خلف الثورة، ومن مد الهجرة غير الشرعية القادم إلى أوروبا إذا سقط نظامه، لكن اعتراف بعض الأوروبيين بمجلس الثورة ودعوة أكثر من رئيس غربي القذافي للتنحي أفشلت تلك المحاولات.

الثورة الليبية تتوسع يوما بعد يوم
(غيتي إميجيز)
خيارات قائمة
واليوم فإن القذافي وقد فقد أغلب أوراقه يبدو محصورا أمام خيارات ضئيلة ومحدودة أهمها الاستمرار في القتال مع الحرص على تحويل المعركة في مسارها الأعم إلى حرب أهلية مع المناطق الشرقية.

ويعول القذافي إذا اتبع هذا الخيار على أنه كلما أمعن القتل والتدمير فتّ في عضد الثوار وتحولت الثورة إلى مجرد تمرد مناطق وجهات وقبائل في ليبيا على الحكم المركزي في طرابلس، وبطبيعة الحال فإن القذافي يعول في وسائل القتال على المرتزقة والكتائب الأمنية التي يقودها أبناؤه.

لكن هذا الخيار ينطوي على مخاطر جمة بالنسبة للقذافي، كما أن ميزان القوى عسكريا قد يرجح لصالح الثوار إذا جرى تحييد عنصر الطيران الجوي الذي يتفوق به حاليا وتزود الثوار بأي وسيلة بأسلحة أفضل، وسبق لقوى غربية أن ألمحت لإمكانية ذلك.

الخيار الآخر الذي يمكن أن يلجأ له القذافي هو التنحي المشروط وهو ما حاول جس نبض الداخل والخارج له من خلال المبادرة الخجولة التي عرضها أحد مقربيه في الأيام الماضية على المجلس الوطني الانتقالي، ولكن الإشكال يتعلق في مصير القذافي بعد تنحيه فلن يكون بإمكانه البقاء في ليبيا، كما لن توجد في الغالب أي دولة مستعدة لاستقباله فهو ليس مثل غيره من الرؤساء.

والمتابع لشخصية القذافي يرجح أنه لن يلجأ للتنحي، ولأنه لن يستطيع مواصلة القتال إذا تكثف الدعم الدولي سياسيا وعسكريا لصالح الثورة سيلجأ للمناورة رغبة في تحييد الخارج.

وفي سبيل ذلك أعلن أن لجنة تحقيق أفريقية ستحل بليبيا في الأيام القادمة، وقدم شبه مبادرة للثوار، كما سمح جزئيا لبعض وسائل الإعلام الغربية من أجل استطلاع الوضع في طرابلس، وأفرد بعض القنوات الغربية بمقابلات خاصة، وذكر الغرب بصداقاته وتعاونه معهم في مجال مكافحة الإرهاب، ولوح بخطر الهجرة غير الشرعية وبالإرهاب إذا سقط نظامه، وكلها محاولات لكسب الوقت في الخارج حتى تتمكن الكتائب من حسم الأمر في الداخل.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة