السودان: مرحلة المخاض أم نقطة اللاعودة؟   
السبت 1425/2/13 هـ - الموافق 3/4/2004 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)

عبد الله آدم

تركزت الأنظار خلال الأيام الماضية بشكل مكثف على منطقة دارفور بغرب السودان وتوارى في المقابل التفاؤل بشأن تحقيق اتفاق سلام سريع مع الحركة الشعبية لتحرير السودان في نيفاشا بكينيا.

كما ألقى التوتر في الخرطوم بين حكومة الرئيس عمر حسن البشير وحزب المؤتمر الشعبي بزعامة الدكتور حسن الترابي بظلاله على مسار الأوضاع في هذه الدولة التي عانت من نزاعات وحروب على مدى العقود الماضية.

وبدت الحكومة السودانية غاضبة مما سمته محاولات التدخل الخارجي في قضية دارفور واتهمت مساعد الأمين العام للأمم المتحدة المكلف بالشؤون الإنسانية جان إغلاند صراحة بالمبالغة في تصوير الوضع.

واعتبرت ما ورد في تصريحاته "مبالغة"، وقالت إن مشكلة دارفور تم افتعالها للتشويش على التقدم الذي تم إحرازه في مفاوضات السلام السودانية الجارية حاليا بمنتجع نيفاشا الكيني.

وكال أكثر من مسؤول حكومي انتقادات للأمم المتحدة باعتبار أنها الجهة التي سمحت عبرها الحكومة بدخول العديد من منظمات الإغاثة إلى منطقة دارفور.

فقد انتقد وزير الخارجية السوداني مصطفى عثمان إسماعيل دور الأمم المتحدة في أزمة دارفور وتبعه في ذلك مندوب السودان الدائم لدى الأمم المتحدة الفاتح عروة الذي اعتبر الانتقادات التي تشنها المنظمات الدولية على الحكومة السودانية بأنها مغرضة وتخدم مصالحها.

قلق أممي
الوضع الإنساني بدارفور يستغل سياسيا (الفرنسية)
لكن الانتقادات الحكومية لم تمنع ملف دارفور من الوصول إلى مجلس الأمن الدولي الذي دعا إلى وقف إطلاق النار بالإقليم. وقال رئيس المجلس للشهر الجاري السفير الألماني غونتر بلوغر إن أعضاء المجلس أعربوا عن قلقهم الشديد إزاء تردي الوضع الإنساني في المنطقة.

ووصف منسق النشاطات الإنسانية للأمم المتحدة في السودان موكايش كابيلا الوضع في دارفور بأنه يشكل ما وصفه بأكبر كارثة عالمية على الصعيدين الإنساني وحقوق الإنسان. واتهم كابيلا ما سماها المليشيات التابعة للحكومة السودانية بتصعيد أعمال القتل والاغتصاب.

وقد ألقى هذا الجدل بظلاله السالبة على مسار المفاوضات بين الحكومة ومتمردي دارفور في العاصمة التشادية, التي دخلت يومها الرابع اليوم دون التوصل إلى نتائج تذكر، إذ إن الوفدين لم يلتقيا وجها لوجه حتى الآن نظرا لما يبدو أنه غياب للثقة بين الجانبين.

استياء من الترابي
وتشعر الحكومة السودانية بالاستياء من حزب المؤتمر الشعبي حليفها السابق الذي تتهمه بأنه له دور في ما يجري بدارفور مما دفعها لملاحقة عناصره والزج بزعيمه الترابي في السجن ووعدت بتقديمه للمحاكمة بتهمة إثارة الفتنة. كما اعتقلت مجموعة من ضباط الجيش وقالت إنهم في مرحلة أولية للإعداد لانقلاب عسكري.

ويرى بعض المراقبين أن بروز دارفور بهذا الشكل الطاغي على مسرح الأحداث السياسية في السودان أسهمت فيه عوامل عدة داخلية وخارجية يأتي في مقدمتها مسار مفاوضات السلام المتعثر في كينيا.

ويعتقد على نطاق واسع لدى الأوساط السياسية السودانية أن منظمات غربية تحاول التصعيد في دارفور لحمل الحكومة على تقديم تنازلات في نيفاشا بعد أن قالت تسريبات صحفية إن الخرطوم لم ترد بشكل واضح على ورقة بخصوص منطقة أبيي تقدمت بها الولايات المتحدة وأيدتها الحركة.

واشنطن تستعمل ورقة دارفور للضغط على الخرطوم في مفاوضات نيفاشا (الفرنسية)
ورقة ضغط أميركية

وبرزت تحليلات تفيد بأن الولايات المتحدة تحاول إثارة "المذابح في دارفور" في المنابر الدولية لملاحقة المسؤولين السودانيين إذا انهارت محادثات السلام مع الحركة الشعبية حسب ما يدعو لذلك ما يسمى قانون سلام السودان، خاصة وأنه لا يمكن لواشنطن إدانة الحكومة بمذابح في الجنوب بمعزل عن الحركة الشعبية التي هي أيضا طرف في حرب الجنوب.

ويشعر أنصار حزب المؤتمر الشعبي بالغبن الشديد من سياسات الحكومة تجاه حزبهم بعد أن كانوا لمدة طويلة جزءا من النظام وهو ما ولد حالة من الاحتقان جعلت التكهنات تصب باتجاه ربط الحزب بما يجري في دارفور حيث ينتمي الكثير من كوادره لهذه المنطقة.

كما أن تفجر الأزمة في دارفور بعد فترة قصيرة من الانشقاق المدوي للحركة الإسلامية في السودان وما تبعه من مشاحنات عزز كذلك من الاعتقاد بأن هذا الإقليم ما هو إلا مسرح لتصفية الحسابات بين أصدقاء الأمس أعداء اليوم.

وتوجه الاتهامات أيضا لأحزاب شمالية لها نفوذ بدارفور ومن بينها حزب الأمة بزعامة الصادق المهدي -الذي انسحب مؤخرا من لجنة كلفت بدراسة حل لأزمة دارفور- بتغذية الأزمة في الإقليم.
________________
الجزيرة نت

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة