شوقي عبد الأمير: الشعر ليس وظيفة   
الأحد 1432/9/1 هـ - الموافق 31/7/2011 م (آخر تحديث) الساعة 14:32 (مكة المكرمة)، 11:32 (غرينتش)

الشاعر العراقي شوقي عبد الأمير (الجزيرة نت)

حاورته في بيروت/ زهرة مروة

يعيد الشاعر العراقي شوقي عبد الأمير تركيب وتأسيس المكان في شعره ويتعامل مع الزمن وخاصة مع الماضي بطريقة مختلفة.. شخصيات أسطورية مثل جلجامش والإسكندر الأكبر حاضرة في معظم نصوصه، ويتعامل معها كأنها ما زالت على قيد الحياة.

ولا تقتصر اهتماماته على الشعر فحسب، فهو مؤسس مشروع "كتاب في جريدة" الذي يعد أكبر مشروع ثقافي عربي في منظمة اليونسكو، كما عمل في العلاقات الثقافية الدولية لهذه المنظمة خلال عشر سنوات.

الجزيرة نت التقت عبد الأمير بمناسبة صدور ديوانه الجديد "الوجه الخامس لمَسلّة الأنا" عن دار الغاوون 2011 والذي عُرف باسم "مصريات"، وأجرت معه الحوار التالي:

في عدد كبير من دواوينك يظهر الرمز والأسطورة فنشعر كأننا نقرأ ملحمة، هل يمكن تصنيف شعرك في خانة الشعر الملحمي؟

الشعراء لم يأخذوا بيد الثوار العرب، هؤلاء الثوار أزهار برية جديدة وغير مألوفة ولدت من وراء ظهورنا، من وراء ليالينا ونهاراتنا في الوقت الذي لم يكن أحد يتوقعها أو ينتظرها
- أنا أتعامل مع الزمن ومع الماضي بطريقة مختلفة، تأثري بشخصيات تاريخية وأسطورية كجلجامش والإسكندر وغيرهما يجعلها تحيا في نصي، لكني أهرب من التسميات الشعرية أو المصطلحات الجوفاء، وأعتبرها بمثابة عكاز للناقد يضع من خلالها الشاعرَ في خانة معينة.

أعتقد أنه ما من تعريف دقيق لكلمة "ملحمة" في الذاكرة العربية، فهي بمثابة القصيدة الطويلة ولها فكر وذات وفلسفة معينة، وليس كل قصيدة طويلة أو كل قصيدة فيها رموز بطولة أو شخصية بطولية تسمَّى "ملحمة"، لأن الملحمة لها أسس وقواعد خاصة بها، وشخصياً أعتبر أنه ما من ملاحم في الشعر الحديث.

الزمان والمكان حاضران بشكل دائم في شعرك، كيف تفسر تأثرك بهما؟ ولمَ يُطبِقان على لحظتك الشعرية؟

- أنا في عملية بحث دائم كي أصل عبر القصيدة إلى إعادة تركيب وتأسيس المكان والزمان الذي يطبِق بنبرته العالية على أحاسيسي وهواجسي وحياتي بشكل عام.. شعري محاولة الاستفادة من درجة عالية من الإحساس، درجة عالية من المعرفة، هو لحظة تنصت عميقة على الكون.. كل هذه العوامل أتلفط بها وأوظفها بشكل موجز وشفاف ومكين داخل اللغة، وهذا تمرين ساحر بالنسبة لي، لأني أجدد به كياني كما أجدِّد علاقتي مع المكان.

شخصيا لا أتعمد قنص القصيدة، بل هي التي تقنصني.. الفرق بين الشعر والقصيدة أن الشعر موجود في كل مكان، بينما القصيدة عملية نقل اللحظة الشعرية وتوظيفها لغوياً.. يقول الشاعر الفرنسي أراغون إن "اللحظة الشعرية حبلى".

في ديوانك الجديد "الوجه الخامس لمسلة الأنا" هناك تركيز على مصر، هل تأثرك بما يحصل في مصر من ثورات دفعك إلى كتابة هذا الديوان؟

- الديوان مؤلف من أربعة نصوص شعرية، قسم منها موزون، والقسم الآخر نصوص شعرية مفتوحة، وقصائد هذا الديوان مستوحاة من مصر وتحديداً من مصر القديمة، وهذا أول كتاب يكون موضوعه الرئيسي مصر.

غلاف كتاب في جريدة (الجزيرة نت)
ولكني أعتبر أنه لا يوجد شعر إرادي لا يستطيع الشاعر الحقيقي أن يقرر الكتابة بمناسبة معينة، لأن الشعر ليس قرارا، الشعر يتناقض فلسفيا مع المناسبة، الشعر صدفة كونية وكيانية وليس صدفة تاريخية.

فقد ألحّ الحزب الشيوعي الفرنسي على الشاعر الشيوعي غيفيك أن يكتب قصيدة عن فيتنام، فحاول  القيام بذلك وفشل، فأتته بعدها قصيدة عن فيتنام في مناسبة أخرى، وهي مناسبة وفاة صديقه العزيز عندما كان يودعه ويلقي نظرة أخيرة عليه.. والشاعر الفرنسي بول إيلوار كتب قصيدة عن الحرية، أوحت له بها حبيبته "غالا".

طبعاً أنت تقصد أن الشاعر الحقيقي يجب أن لا يتبنى قضية ويوظفها في شعره، بل يجب أن ينحاز إلى إحساسه ويتبعه؟

- ليس للشعر وظيفة ثورية أو دور معين، الشاعر الحقيقي لا يوظف شعره، بل يوظفه له السياسيون وكل واحد يجعل منه المادة القريبة من اهتماماته.. الشعر الأساسي -برأيي- مثل المعدن الخام، القصيدة منجم ممكن أن يوظَّف نتاجها في قضايا ثورية أو في قضايا أخرى، والشاعر الكبير لا يقصد الثورة، والشاعر الذي يجعل دورا لشعره شاعر من الدرجة الثانية، لأن الشعر لا يمكن أن يصبح وظيفة.

هل تعتبر ديوانك الجديد بمثابة نقلة في تجربتك؟

- هو ليس نقلة بقدر ما هو بلورة أسلوب شعري معين، إنه نموذج متكامل شعريا للعلاقة مع المكان يتضمن خلطا مقصودا بين المادة الجمالية والمادة المعرفية وبين الإيحاء والإسقاطات التي يمكن أن يحدثها الشاعر لإعادة بعث المكان من جديد.. يتضمن نظرة شعرية للمكان، التقاط هذا الأخير وجذبه إلى عمق اللغة.

الصورة الشعرية والمادة المعرفية تعيدان صياغة جغرافية المكان عندي، مثلاً رأيت في البحر إلهاً إيروسياً، واعتبرت أن الرملة هي الأنثى والبحر هو الرجل.

هل تعتقد أن الشعر العربي واكب الثورات العربية الحالية أو هيَّأ لها؟

- كلا، ليس عندنا شعر قاد إلى الثورة.. بمعنى آخر، لم يأخذ الشعراء بيد الثوار العرب، هؤلاء الثوار أزهار برية جديدة وغير مألوفة ولدت من وراء ظهورنا، من وراء ليالينا ونهاراتنا في الوقت الذي لم يكن أحد يتوقعها أو ينتظرها.

الشاعر الحقيقي لا يوظف شعره، بل يوظفه له السياسيون وكل واحد يجعل منه المادة القريبة من اهتماماته
بقي أدبنا بعيدا عن نبض الإنسان العربي لأسباب سياسية واقتصادية وبسبب القمع والكسل والجهل، ربما هذه الثورات العربية التي تحدث الآن ستنجم عنها أعمال أدبية وفكرية، ولكن هذا الأمر يحتاج إلى وقت كبير ولن يحدث غدا، الأمر يختلف في بعض الدول الأخرى، ففي فرنسا مثلا، واكب الشعر التحول الاجتماعي في عصر الأنوار عبر كتابات هيأت للانفجار.

أنت تشرف على مشروع ثقافي عربي مهم هو مشروع "كتاب في جريدة"، هل يمكن أن تحدثنا عن تبلور فكرة هذا المشروع وأهدافه الثقافية؟

- مشروع "كتاب في جريدة" أكبر مشروع ثقافي عربي مشترك تطلقه منظمة اليونسكو في جميع الدول العربية، أما أهدافه فهي أن يقرأ الناس بالمجان. وبما أن قراءة الكتب في هبوط، وقراءة المجلات في علو مستمر في العالم أجمع، قررنا أن نحتال على القارئ، فنرسل له مجانا كتابا كاملا على شكل جريدة مع رسوم وتخطيطات.

وبهذه الطريقة نزيل العوائق التي تحول بين القارئ وبين القراءة من غلاء ثمن الكتاب ومن التردد في اختيار كتاب معين.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة