المغربية لبصير.. القص لترتيب فوضى العالم   
السبت 1433/8/17 هـ - الموافق 7/7/2012 م (آخر تحديث) الساعة 12:54 (مكة المكرمة)، 9:54 (غرينتش)
غلاف المجموعة القصصية "عناق" للمغربية لطيفة لبصير (الجزيرة)
إبراهيم الحجري-الدار البيضاء
 
تراهن القاصة المغربية لطيفة لبصير -من خلال مجموعتها القصصية الجديدة "عناق"- على عنصر المفارقة الساخرة كأسلوب لفضح الواقع وما يزخر به من قيم مزيفة. وقد فرض عليها هذا الرهان تغيير إستراتيجية السرد التي عهدناها في مجموعاتها السابقة.

كسرت لبصير خطية السرد، واستعارت لغة التأمل والكشف بدل التقرير، واختارت مسلك البوح في كثير من اللحظات. كما أتاحت لذاذة المحكي فرص التحاور الجريء مع التفاصيل الدقيقة، التي باتت مركزية بعد ما طالها النسيان طويلا. واستدعت شخوصا غير معتادة للعب دور "البطولة" أو لتنشيط التفاعل السردي في النص القصصي.

تحكي القاصة المغربية هنا -وهي مشدودة إلى عوالم الذات- بوعي حساس جدا تجاه ما يحدث في محيطها الصغير والكبير من قضايا مجتمعية تكاد تبدو للبعض واهية وهامشية. لكن نباهة الرواة وذكاء عمليات الحبك والصوغ في قصصها جعلت أمورا هامشية تتخذ موقعها في الواجهة، على الأقل في لحظة القراءة والتواصل مع عوالم النص.

العناق في مجموعة لبصير لا يعني ذلك الفعل الميكانيكي المعتاد في لغة العشاق والمشتاقين، بل هو فلسفة تشبه إلى حد بعيد فلسفة الحب عند ابن عربي

نقد الواقع
تكتب لبصير وعيها سردا. وتحرص على مساءلة القضايا الشائكة التي يحبل بها المجتمع، خاصة تلك التي تتعلق بالوشائج والصلات والقيم، وما آلت إليه من تناقض وزيف وتردّ. والقاصة بمساءلة كهذه تعيد النظر النقدي في حياة الناس وعلاقاتهم وعاداتهم، منتقدة إياها بشكل صريح حينا، وبشكل مبطن أحيانا أخرى، موظفة في ذلك المفارقة والسخرية وخلخلة منطق القيم والأشياء.

والكتابة، بهذا المعنى تحرص على تشخيص المعطيات الاجتماعية المتهالكة وتشريح موقع الخلل فيها، فتكون المحكيات بمثابة مرايا للواقع دون أن تكون عاكسة له، بل مصورة إياه في قوالب ساخرة وأشكال كاريكاتورية مفعمة بالكثير من الدلالات.

ومن الظواهر التي تسلط عليها الكاتبة الضوءَ في محكيها القصصي، العلاقة بين الرجل والمرأة التي يطوقها في الغالب البرود، ويغلب عليها التعامل الجسدي الميكانيكي. وعلاقة الأم بالطفل، وأهمية حضور الطفولة في شخصية الكبار، وقيمة الحب والتسامح في نسج علاقات بديلة تقوم على الاحترام المتبادل والتعايش مع الآخر، وكيفية بناء الإنسان لقيمه البديلة والمصطنعة قهرا للقيم الأصلية الفطرية، مبرزة علاقة الإنسان بالمكان ومدى تأثير هذا الأخير فيه.

كما ترسم أحاسيس الناس وتصورهم، وهم يجدفون في اتجاهات معكوسة لتيارهم الإنساني، ويسيرون بسفينتهم صوب الهاوية. كما أن أنامل السرد لا تنفصل عن أسئلة الذات والوطن، وإن كانت تبدو في الظاهر كتابة مغرقة في الذاتية تسرد بضمير المتكلم، مفصحة عن شعرية مفرطة تلتقط التفاصيل الشاردة.

وليس العنوان وحده ما يبرز هذه الموضوعات، بل هناك أيضا في النصوص ما يكرر هذه المقولة. والعناق لا يعني ذلك الفعل الميكانيكي المعتاد في لغة العشاق والمشتاقين، بل هو فلسفة تشبه إلى حد بعيد فلسفة الحب عند ابن عربي. العناق هنا مجاز يقصد به لغة السلم والسلام والتآزر بين كل المكونات الإنسانية، بين كل مظاهر الزيف وقيم الفساد وتردي الواقع.

وتقول لبصير إنها ترغب "في عناق لكل اختلاف بشري، بأن نحترم كل الاختلافات الإنسانية، لأنها شخصية ولا يمكن المساس بها".

تقحم الكاتبة القارئ بلا مقدمات في عوالمها القصصية وتجعله يخرج منها بلا خواتم أيضا. لا تحكي المجموعة فحسب، بل تتأمل وتتفلسف، وهي تعيد ترتيب فوضى العالم

الأحاسيس المتلاشية
إن الحديث عن الطفولة الماثلة فينا -من خلال الرواية- هو إعلان ضمني عن تلك الأحاسيس المتلاشية تحت الضغط اليومي، وإفصاح عن تفاني الذات من أجل الحفاظ على توازنها أمام غزو الشيخوخة والترهل للجسد، فيجعلها تبحث عن مرتع آخر بديل بإحساس مفرط بالجمال والأنوثة.

والكاتبة تريد الارتقاء بالقيم من طبيعتها المادية إلى معاليها الرمزية الأصلية. وتريد إعادة النظام إلى العلاقات التي شابتها الفوضى، وإرجاع الدفء إلى الأحاسيس المسكونة بالتوتر، عبر التماهي مع طفولة الابنة التي تعيد من خلالها تمثل طفولتها الذاتية، فتقول: "تبدأ طفلتي في المشي بخطواتها المحسوبة، أشعر بعلاقة ما مع العالم الذي أنتمي إليه، إنه زمني الذي يتكرر والذي يعيد الخطو نفسه، أرتاح لذلك وأحثها على أن تصرخ طويلا، مثل مايكل جاكسون...".

تقحم الكاتبة القارئ بلا مقدمات في عوالمها القصصية وتجعله يخرج منها بلا خواتم أيضا. لا تحكي المجموعة فحسب، بل تتأمل وتتفلسف، وهي تعيد ترتيب فوضى العالم. تسرد خواطر الذات وهي تموقع ذاتها في وضعيات إنسانية مختلفة، وتدخل بنا إلى رحاب زمن نفسي لا مرئي يستدمج العلاقة بالزوج، بالعلاقة بالأب، بالعلاقة بالطفل، في تماسات وجدانية يكون الجسد موئلها، والذاكرة موطنَ تجدد للذكورة وهي تتجذّر داخل الذات- بالتدريج- في تاريخ من النكاسات والخيبات.

وفي غمرة السرد، تمثل القاصّة دور الأم، متأملة تاريخ طفولتها المنسي، ومستعيدة صورة الطفلة داخلها، ومتمثلة لغة الصغار، وقارئة الحاضر من خلال ذاكرة ملأى بالصور والأحلام التي بفضلها يتداخل زمن الحاضر والماضي والمستقبل في لوحة مركبة.

تتأمل الكاتبة القصصية هنا المعتادَ في حياتنا، وتعيد النظرَ في تفاصيله، فهو الذي جعل المشاهدَ تتكرّر وتتآكل لتصير غير قادرة على الإثارة وخلق الفرح المستحيل الذي كان قبل الآن، لتعلن أن المشاعر داخليةً تصدر عن الذات، أما المكان فهو يؤججها فحسب، دون أن يكون سببا في خلقها. أما المآسي والمشاعر فهي مجرد انفعالات داخلية تصدر عن الفرد إبان تفاعله مع لحظات محكومة بسياقات وأحداث واقعية أو نفسية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة