استقالة "عرب" وأسئلة الثقافة بمصر   
السبت 28/3/1434 هـ - الموافق 9/2/2013 م (آخر تحديث) الساعة 13:16 (مكة المكرمة)، 10:16 (غرينتش)
استقالة وزير الثقافة محمد صابر عرب أثارت الهواجس القديمة حول الثقافة في مصر (الجزيرة)
 
يثير الجدل الراهن حول استقالة الدكتور محمد صابر عرب من منصبه كوزير للثقافة في مصر، أسئلة هامة حول أزمة الثقافة في البلاد ومستقبل الإبداع بعد ثورة 25 يناير، في وقت يطالب فيه مثقفون بإعادة هيكلة العمل الثقافي وآخرون بإلغاء وزارة الثقافة.
 
ومنذ ثورة يناير تعاقب على وزارة الثقافة خمسة وزراء هم الدكتور جابر عصفور ومحمد عبد المنعم الصاوي والدكتور عماد أبو غازي والدكتور شاكر عبد الحميد والدكتور محمد صابر عرب، وهو ما يؤكد أن العمل الثقافي يواجه صعوبات مزمنة على أكثر من صعيد.
 
وفي الآونة الأخيرة تصاعدت دعوات مثقفين مصريين لإعادة هيكلة وزارة الثقافة بما يخدم طرح مشروع ثقافي نهضوي يتفاعل مع ضرورات الحداثة دون تفريط في الأصالة. وفي سياق الجدل الذي تجدد مع استقالة عرب، فإن إعادة هيكلة المجلس الأعلى للثقافة وتأكيد حرية الإبداع وزيادة الاعتمادات المالية المخصصة لوزارة الثقافة، تتصدر أولويات العديد من المثقفين.

ويؤكد الكاتب قاسم مسعد عليوة على أهمية "فلسفة العمل بوزارة الثقافة، وأن تكون موجهة إلى الشعب في عمومه"، وإن كان يحبذ إلغاء هذه الوزارة وتوزيع اختصاصاتها على الهيئات الثقافية، على أن تكون تبعية هذه الهيئات للمجلس الأعلى للثقافة على سبيل المثال، كما يقول.

وطالب عليوة "بتفعيل دور المجلس الأعلى للثقافة ليرتبط بشكل أكبر بالمثقفين في كل مكان ويبتعد عن الموظفين".

محمد سلماوي أكد أن تهميش المثقف
ودوره أصبح مؤخرا سياسة ثابتة 
(الجزيرة)

إعادة هيكلة
وفي الاتجاه ذاته دعا الناقد والفنان التشكيلي عز الدين نجيب إلى "إعادة هيكلة المجلس الأعلى للثقافة بقانون جديد يناسب العمل في مرحلة ما بعد الثورة ويمنحه استقلالية أكبر، والاهتمام بالمؤسسات الثقافية التي تتفاعل مع الجماهير مثل قصور الثقافة لتتخلى عن بعدها عن المجتمع وتقوم بدورها الحقيقي التفاعلي مع الجمهور".

وتضمنت مبادرات بعض المجموعات في الحياة الثقافية المصرية بعد ثورة 25 يناير مطلب تحويل المجلس الأعلى للثقافة إلى كيان مستقل، بعيدا عن وزارة الثقافة. وأعد الفنان التشكيلى عادل السيوي اقتراحا يتمثل في إشراف المثقفين على هذا المجلس عبر انتخابات حرة، ليتحول إلى "كيان حيوي يمكنه وضع الخطوط الرئيسية للعمل الثقافي في مصر".

ويقول السيوي إن اقتراحه لم يلق استجابة لأنه "لا توجد رغبة حقيقية لدى المسؤولين عن المؤسسة الثقافية الرسمية في صنع أي تغيير"، معتبرا في لقاء مع مجلة أخبار الأدب "أن الآلة القديمة ما زالت تعمل كما هي بدون أي اختلاف".

ويتفق معظم المثقفين في مصر على أن سياسات وزارة الثقافة في ظل النظام الاستبدادي الذي أطاحت به ثورة 25 يناير وما عرف "بسياسات الحظيرة"، ألحقت أضرارا فادحة بالثقافة الحقيقية. فعلى مدى سنوات تراجع دور الدولة في دعم الثقافة الجادة مقابل نزعة واضحة "لتسليع الثقافة" التي انحدر معناها على مدى نحو أربعة عقود.

ويعتبر رئيس اتحاد الكتاب المصريين محمد سلماوي أنه "في السنوات الأخيرة كانت هناك قطيعة شبه كاملة بين السياسة والثقافة، وأصبح تهميش دور المثقف سياسة ثابتة".

ومنذ ثورة يناير انطلقت عدة مبادرات من جانب مثقفين سعيا لما يوصف "بتثوير الثقافة وتنشيط هيئاتها وأجهزتها ومن أجل ثقافة جديدة وجريئة"، وظهرت في هذا السياق مسميات مثل "جبهة الإبداع للدفاع عن حرية التفكير" و"الدستور الثقافي" وغيرهما.

الجدل الراهن حول وزارة الثقافة وهيئاتها يراه البعض لا يخلو من شكلانية وإعادة لإنتاج قضايا لا معنى لها في الواقع أو المأمول

دور أكبر
غير أن أصواتا داخل هذه الجماعات الجديدة تذهب إلى أن المثقفين ليسوا في حالة تسمح لهم بالحركة والضغط والعمل الجماعي، بينما تنظر إلى التشكيلات التي تكونت باعتبارها "أقرب إلى حالة الدفاع منها لطرح مشاريع جديدة، فهي تبدو كحركة أشخاص خائفين وليس لديهم أفق إعادة هيكلة وخلق كيانات جديدة".

ويعترف الفنان التشكيلي محمد عبلة صاحب مبادرة جبهة الإبداع للدفاع عن حرية التفكير بأن فكرتها كانت "قائمة على رد الفعل وليس على القيام بالفعل نفسه".

وضمن الخطوط الكبرى لتحول ثقافي حقيقي تبدو الحاجة واضحة -كما يرى السواد الأعظم من المشتغلين في الحقل الثقافي- لزيادة ميزانيات النشر للكتب والأعمال الثقافية الجادة والهامة، جنبا إلى جنب مع تحرير الإبداع الثقافي من أي وصاية بيرقراطية، والاحتكام إلى معايير الثقافة وجماليات الفن دون إسفاف أو ترهيب، مع دعم التعدد والتنوع والحق في الاختلاف وصولا إلى استعادة الدور الثقافي المصري كأحد أهم عوامل القوة الناعمة في المنطقة والعالم.

وبقطع النظر عن الركود الحالي على مستوى العمل الثقافي فإن وزارة الثقافة يمكنها القيام بدور كبير، في ظل آمال تراود مثقفين مصريين مثل محمد سلماوي الذي يعرب عن أمله في "تأسيس قاعدة لنهضة ثقافية مقبلة تعيد الفنون والآداب في مصر إلى سابق مجدها، وتساهم في إعادة بناء الإنسان المصري وتدعم مكانة مصر ودورها الإقليمي والدولي".

لكن الجدل الراهن حول وزارة الثقافة وهيئاتها يراه البعض لا يخلو من شكلانية وإعادة لإنتاج قضايا لا معنى لها في الواقع أو المأمول، وأن التركيز يجب أن ينصب على إصلاحات جوهرية على صعيد المؤسسات والفعل الإبداعي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة