الطريق إلى سيدي بوزيد- 3   
الأحد 1432/7/12 هـ - الموافق 12/6/2011 م (آخر تحديث) الساعة 16:32 (مكة المكرمة)، 13:32 (غرينتش)

قبر محمد البوعزيزي مفجر شرارة الثورة التونسية (الجزيرة نت)

نواف القديمي

بعد فراغنا من صلاة الظهر في جامع الرحمة أصرّ طاهر على أن يدعوني إلى بيته لنتناول وجبة الغداء.. فذهبت معه إلى منزله وتناولنا الغداء بصحبة طفليه برّاق وشاهين اللذين لم تتوقف أسئلتي لهما عن جدول الضرب أولاً ثمّ عمّا سمعاه من قصة البوعزيزي والاحتجاجات.

وبعد كرم الغداء المنزلي الودود، تجوّلت في أرجاء مدينة سيدي بوزيد.. فذهبت أولاً إلى قصر البلدية، ثمّ إلى مقر الولاية، ثمّ إلى جامع الرحمة الذي شهد الشرارة الأولى.. وحادثت في تجوالي كثيراً من شباب المدينة ممن كانوا يعرفون محمد البوعزيزي، وبعض من كانوا يُشاركونه بيع الخضار أمام الجامع.

من خلال من التقيتهم بدا واضحاً أن محمد البوعزيزي كان شاباً طيباً ومحبوباً.. ومحافظاً على الصلاة.. ولكنه سريع الغضب.. وقد ولِد يتيم الأب.. وامتهن بيع الخُضار مذ كان في التاسعة عشرة من عمره.

بعد هذه الجولة في طرقات سيدي بوزيد توجهت إلى منزل أسرة محمد البوعزيزي، وإذ به منزل متواضع جداً لا تزيد مساحته عن خمسين متراً مربعاً، ويقع في زِقاق ضيّق.. وبالطبع كان المنزل فارغاً، لأن والدته وإخوته الصغار كانوا قد غادروا سيدي بوزيد بعد الحادثة ببضعة أسابيع، وأعطتهم الحكومة منزلاً كان يعود لعائلة الطرابلسي في ضاحية المرسى بالعاصمة تونس.

الشاهد الرخامي على قبر البوعزيزي
(الجزيرة نت)
قبر البوعزيزي
سألتُ صاحبي طاهر عن المكان الذي دُفن فيه محمد.. فأخذني إلى مقبرة مخصصة لعشيرته تبعدُ عن سيدي بوزيد أكثر من عشرة كيلومترات.. وفي منطقةٍ وعرةٍ بوسط الصحراء لا تصل إليها السيارات وجدنا المقبرة.. وللقبور وقارها وهيبتها.. فوقفنا على قبره قُبيل المغرب، ودعونا له بالرحمة والمغفرة.. ثم استأذنت صاحبي في أبقى هنا لبِضعِ دقائق.. فجلستُ بقرب قبره.. وأمامي بدت عشراتُ القبور المُحاطة بفلاة لا ترى فيها بشرا.. وفي الأفق تبدو الصحراء المُمتدة وعلى أطرافها سلسلة جبالٍ تلوح من بعيد.. وبدأت أكتب.. إلى روح محمد البوعزيزي.. وإلى عربة الخُضار والكرامة:

ما عادت هذه أخشاباً يا محمد.. ولا ذلك الحديد الصدِئ المُتآكل ظلّ يُسمى عجلات.. ما عادت الأرض هي الأرض.. ولا الزمان هو الزمان.. ولا الناس هم الناس.. ولا الفضاء هو الفضاء.
ما عاد العرب هم العرب يا محمد.. ولا البُسطاء في هوامش المدن المنسيّة بقوا خارج جداول الحِساب.. ولا الرابضون لعقودٍ فوق الكراسي باتوا يأمنون مواطئ الأقدام.. حتى الأوغاد المتأنقون أمام كاميرات الإليزيه والبيت الأبيض ما عادوا يزدرون شعوبنا كما كانوا.
هل تعرف ما فعل اللهيب المُشتعل في كرامتك بوطننا العربي المُمتد بحجم الوجع من المحيط إلى الخليج؟!
هل تعرف ما فعل الغضب في الوجوه المُنهكة، والسواعد المكدودة، والأرواح المُثقلة بكل عذابات السنين؟!
هل تعرف ما فعل جسدك المُحترق يا محمد؟!
لقد أشعل الكرامة في عروق أوطاننا المطمورة تحت أكوام الفاسدين وأبناء الذوات.. وأوقد نيران الغضب فوق أرضنا التي أعياها التعب.. وبعث الحياة في أرواحٍ كان نبضها يتداعى على أجهزة الإنعاش.. وضخ الأمل في شرايين الشعوب المُعتقلة في كُل عنابر الوطن.
أنينُك الموجوع يا محمد لم يهدأ بعدُ في النفوس الثائرة بميادين التحرير.. وغضبُك ما زال مشتعلاً في ملايين الحناجر التي تهتف كل يومٍ بساحات التغيير.. والناس في عالمنا العربي الثائر صاروا يقفون أمام قبرك الممتد بحجم أوطاننا، ويتلون كُل صباح: (ومن أحياها فكأنّما أحيا الناس جميعا).. والشجى ما زال يبعثُ الشجى يا محمد.
في صدورنا لك عَهدٌ أن نقطع كل الجذوع الغليظة في غابات الظلم والقهر.. وفي نفوسنا لك دَينٌ أن نبتهل إلى الله في الخَلَوَات أن يُعليك في الجنّة بقدر ما هَوَت عروش الظالمين في الدَركات.. وفي أعناقنا لك بيعة أن نُشعل الجسد قبل انتهاك الكرامة.. فلهيب كرامتك يا محمد صنع في أوطاننا ثورة.

نواف- سيدي بوزيد- مساء 5 يونيو 2011م

*    *    *    *

وقُبيل المغرب عدتُ إلى وسط سيدي بوزيد.. والتقيت مجدداً بعددٍ من الشباب قرب المكان الذين كان يبيع فيه البوعزيزي الخُضار أمام جامع الرحمة.. وتحاورتُ معهم وسألتهم عن بعض التفاصيل.. ثم اتفقتُ مع أحد رفاقه -وهو سائق سيارة أجرة- كي يوصلني إلى تونس.. لأن آخر رحلة كانت تُغادر محطة الحافلات في الثالثة ظهرا.. ولم يعد أمامي سوى الاستعانة بسائق خاص.

ما الجديد الذي يُمكن أن يروى فيه هذه القصة المعروفة؟!

لا أدري إن كانت بعض التفاصيل تعني القارئ.. ولكنها جزءٌ من المشهد الذي سمعته مراراً في سيدي بوزيد.. وقد بدت بعض المعلومات جديدة بالنسبة لي.

تفاصيل وأيقونة
فمثلاً، لم يكن محمد البوعزيزي جامعياً كما تناقلت وسائل الإعلام، بل كان قد انقطع عن الدراسة دون أن يكمل السنة الأخيرة في المرحلة الثانوية.. وأيضا فإن العربة (التي تحوّلت إلى أيقونة للثورة والكادحين) لم تكن ملكاً لمحمد البوعزيزي، ولكنها كانت ملكاً لشخص آخر اعتاد على أن يستعيرها منه.. ثم لمّا أحرق نفسه وبدأت الاحتجاجات، اشترتها أسرته من صاحبها.

بمعزل عن الأخطاء التي ارتكبتها العائلة الصغيرة ومدى دقتها، فإن محمد البوعزيزي رحمه الله لم يكن طرفاً فيها.. ما هو مؤكد فقط أن محمداً كان طرفاً في موقف الاحتجاج على إهانة الإنسان والتعدي على حقوقه ولقمة عيشه.. وكان طرفا كبيراً في ثورة الكرامة التي أوقدها جسده المشتعل
لكن القصة التي بدت غريبة بالنسبة لي هي أن عديدين -والبعض خالفهم- أكدوا أن محمد البوعزيزي حين سكب على جسده البنزين أمام مقرّ الولاية لم يكن ينوي إحراق نفسه.. وإنما فعل ذلك فقط بنيّة تهديد المسؤولين.. ولكنه عندما أشعل النار في ولاّعة كانت معه تفاجأ بانتقال اللهب إلى جسده المُشبع بالبنزين بشكل سريع.. والله أعلم بحقيقة الأمر.

أيضاً ثمّة قصة لم تتناقلها وسائل الإعلام تتمثل في السبب الذي دفع الأسرة الصغيرة لمحمد (والدته وإخوته الصغار) إلى مغادرة سيدي بوزيد.. حيث يروي الكثيرون كيف كانت أسرته -وأمه تحديدا- تتعامل مع القضية بعد انتهاء الثورة وبدء توافد وسائل الإعلام الدوليّة، والاهتمام الكبير بقصة البوعزيزي.. حيث يرون أن الأسرة الصغيرة لم تتعامل مع قصة ابنهم بالاحترام اللازم، بل قامت بما يُشبه المتاجرة بها.

فمن ناحية كانت الأسرة تطلب مبالغ مالية كبيرة من أي جهة إعلاميةٍ تريد لقاء العائلة وتصويرها.. ومن ناحية أخرى بدأت العائلة تتعامل بتعالٍ واضح مع أهالي سيدي بوزيد، بل قامت -عبر علاقاتها الناشئة مع المسؤولين بعد الثورة- بالتعدي على بعض السكان.. كقيام والدة محمد باللجوء إلى أحد المسؤولين لسجن ابن أخيها (ابن خال محمد البوعزيزي) الذي كان من أكبر الناشطين في الاحتجاجات منذ بدايتها، وذلك لأسباب ربما ترجع إلى طبيعة التعامل مع القضيّة.

كذلك بسبب إصرار الأم على معاقبة عون التراتيب (فادية حمدي) التي تعاطف معها سكان سيدي بوزيد، وخرجوا في مظاهرة للدفاع عنها أمام مبنى المحكمة، وذلك لكونهم يرون أنها كانت تُطبّق القانون بصرامة، وإن كانت أساءت في التعامل.. إلا أن ذلك لا يستدعي مُعاقبتها بقسوة وسجنها لسنين، فهي إن كانت أخطأت، إلا أنها ليست المسؤولة عن حرق جسد محمد البوعزيزي.. وساهم هذا الموضوع بمزيدٍ من سوء العلاقة بين الأسرة الصغيرة لمحمد البوعزيزي وكثيرٍ من سكّان سيدي بوزيد، حتى إن بعض السكان صاروا يرددون -وسمعتها من عدة أشخاص- أن والدة محمد البوعزيزي صارت تُمثّل "طرابلسية" سيدي بوزيد.

*    *    *    *
وبمعزلٍ عن الأخطاء التي ارتكبتها العائلة الصغيرة ومدى دقتها، فإن محمد البوعزيزي رحمه الله لم يكن طرفا فيها.. ما هو مؤكد فقط أن محمداً كان طرفاً في موقف الاحتجاج على إهانة الإنسان والتعدي على حقوقه ولقمة عيشه.. وكان طرفاً كبيرا في ثورة الكرامة التي أوقدها جسده المشتعل في سيدي بوزيد.. فاشتغلت على وقعه ميادين التحرير وساحات التغيير في وطننا العربي الكبير.

تابع القراءة:

1- الجزء الأول

2- الجزء الثاني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة