آنا أخماطوفا بالعربي.. تكلفة الحرية بصوت الأنثى   
الاثنين 4/9/1435 هـ - الموافق 30/6/2014 م (آخر تحديث) الساعة 14:39 (مكة المكرمة)، 11:39 (غرينتش)

نزار الفراوي-الرباط

بعد تجارب سابقة حملت عوالم الشاعرة الروسية الشهيرة آنا أخماطوفا إلى قراء العربية، تعود المترجمة المغربية مرية التوفيق لزيارة هذا التراث الشعري الزاخر الذي خلفته أديبة فسحت لصوت الأنثى مكانا في كلاسيكيات الشعر الروسي الحافل بالأسماء الكبيرة.

تقترح مرية التوفيق في ترجمتها قصائد مختارة من شعر آنا أخماطوفا جولة تمثل مجمل انعطافات التجربة الإبداعية للشاعرة التي كانت رمز المشهد الأدبي في مدينتها المعشوقة سان بطرسبرغ، بدءا من ديوانها الأول "المساء" الذي نشر عام ١٩١٢، فالكتاب الذي صدر ضمن منشورات مؤسسة "بيت الشعر" بالمغرب يتضمن مختارات من دواوين "السبحة" و"السرب الأبيض" و"آنو دوميني" و"العشب" فضلا عن مقاطع شعرية متفرقة.

وتبدو نصوص هذا الكتاب مرآة صادقة لسيرة حياة آنا أخماطوفا التي عايشت مآسي انهيار الإمبراطورية القيصرية وبشاعات القمع الستاليني، وتكبدت خسارات شخصية فضلا عن تقمصها المعاناة الجماعية التي واجهها أحرار الفكر والأدب والفن ممن حاولوا التعبير عن أصواتهم الخاصة خارج مدار المؤسسة السياسية الشمولية. 

في قصائد آنا نشيج خافت وشعرية أنثوية رقيقة وإنصات منكسر لأصوات الظواهر والأشياء ومرثية ملحمية لحب مهدور ونشيد لانسداد أفق السعادة. 

آنا اضطرت لتغيير اسم شهرتها بسبب رفض والدها مسارها الشعري (الجزيرة)

نبرة منكسرة
في ديوان "المساء" نقرأ المقطع التالي "تذكر الشمس يضعف في قلبي.. والعشب الأخضر انقلب هشيما أصفر.. والريح هبت على رقاقات الثلج المبكر رويدا رويدا.. والقنوات الضيقة قد توقفت عن الصرف.. الماء فيها تجمد.. لا شيء ينتظر أن يحدث هنا.. لا شيء أبدا".

هذه النبرة المنكسرة المستسلمة لظلام الأزمنة القاسية صاحبت شعر آنا في مجمل مراحلها، فمن ديوان "السرب الأبيض" اقترحت المترجمة المقطع التالي "اخترع شخص تافه حكاية تقول.. إن الحب موجود على سطح الأرض، صدق الناس الحكاية بفعل الكسل، أو ربما الملل وعاشوا وفق ذلك".

ومن ديوان "العشب" يبدو المقطع التالي بالغ الدلالة على الحالة النفسية الشعرية التي طبعت حياة الشاعرة التي ولدت في يونيو ١٨٨٩ وتوفيت في مارس ١٩٦٦ "أتحدث مع الكآبة بصوت عالٍ.. أفتح عيني النائمتين، غير مكترثة.. تنبض حينها بالدم.. كتنفس حار.. كحب سعيد.. ممزوج بالحكمة والشر".

تفسر مرية التوفيق -الحاصلة على الأستاذية في اللغة والأدب الروسيين من كلية الفيلولوجيا بجامعة سان بطرسبرغ (لينينغراد)- اختيارها ترجمة شعر أنا أخماطوفا بتجسيدها أحاسيس المرأة في معاناتها من موقعها "ككاتبة عبرت عن قلق كبير إزاء ملابسات الوجود من خلال مقاساتها في عائلتها وفي بلدها، فقد واجهت عنف التقاليد من جهة، وعنف السياسة من جهة أخرى".

انقلابات درامية
ولاحظت التوفيق أن الشاعرة كانت شاهدة على انقلابات درامية في أوضاع بلادها، بحيث عايشت في طفولتها آخر قياصرة روسيا، وعاصرت الثورة البلشفية والرعب الستاليني وشهدت تورط البلاد في الحربين العالميتين، ولم تسلم من حملات القمع والتصفية بذريعة علاقاتها بالحركات الفكرية لروسيا ما قبل الثورة، لكنها -على حد قول المترجمة- "تحملت المحنة ومثلت رمز الحقيقة والنزاهة، وتعتبر اليوم من قمم الأدب الروسي الحديث".

عانت الشاعرة من غيرة الرجل من المجد الأدبي للزوجة فأفضى ذلك إلى طلاقها مرتين، وإزاء السلطة تعرضت آنا لمنع نشر أعمالها في عهد ستالين بدعوى انتمائها الى أدب البورجوازية الصغيرة

والواقع أن قصة مواجهة آنا مع القمع بدأت مبكرا في علاقتها بأسرتها، فقد حاول والدها ثنيها عن خوض مغامرة الشعر بما يسيء إلى سمعة العائلة، وأمام إصرارها طالبها بالكتابة باسم مستعار، فكان أن اختارت آنا أندريفنا كورنكو التوقيع باسم جدها لأمها، وهو من التتار، فأصبحت آنا أخماطوفا.

عانت الشاعرة من غيرة الرجل من المجد الأدبي للزوجة فأفضى ذلك إلى طلاقها مرتين، وإزاء السلطة تعرضت آنا لمنع نشر أعمالها في عهد ستالين بدعوى انتمائها الى أدب البورجوازية الصغيرة في زمن هيمنة الواقعية الاشتراكية على الأدب، واعتقل ابنها مرتين. ومن محطات العداء المزمن بين الشاعرة والسلطة قصيدتها الطويلة "صلاة الجنازة" التي صدرت نهاية الثلاثينيات وخلدت ذكرى ضحايا الإرهاب الستاليني. 

ولاحق القمع والمنع شاعرة روسيا بعد الحرب العالمية الثانية، حيث أصدر الأمين العام للجنة المركزية الشيوعية جدانوف قرارا بطردها من اتحاد الكتاب السوفيات، ودرج على أن يقول عنها "إن نصفها راهبة ونصفها الآخر عاهرة". 

ولم تستعد آنا أخماطوفا قدرا من اعتبارها إلا في عهد خروتشوف حيث تم إطلاق سراح ابنها ونشرت أشعارها من جديد. وكتبت مرية التوفيق في إضاءة حول السيرة الشخصية والأدبية للشاعرة أن الشعراء الشباب عادوا للالتفاف حول تراث آنا على غرار جوزيف برودسكي الذي كان يقول عنها إنها "ربة الحماسة".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة