التغيرات المناخية.. وماذا عن دور الشمس؟   
السبت 1437/6/25 هـ - الموافق 2/4/2016 م (آخر تحديث) الساعة 5:29 (مكة المكرمة)، 2:29 (غرينتش)

*الصغير الغربي

يعد تأثير النشاط الشمسي على تغير المناخ في الأرض أحد الموضوعات التي استحوذت على اهتمام الكثير من علماء المناخ وعلماء الفيزياء الشمسية. ولئن اتفق هؤلاء على أن انبعاثات الغازات المسببة للدفيئة بفعل النشاط البشري هي أحد أهم عوامل التغير المناخي الذي يعيشه كوكبنا، فإن فرضية تأثير النجم الأقرب إلينا في هذه الظاهرة ما زالت محل خلاف. ويعتقد بعض العلماء -وهم قلة- أن نشاط الشمس هو المحدد الرئيسي للتغيرات المناخية على الأرض، لكن النظرية ما زالت تحتاج إلى إثبات لإقناع الجميع بها.

كما هو معلوم، تختلف التغيرات المناخية عن التقلبات الجوية أو الطقس. فهذه الأخيرة أسبابها معروفة وتحدث يوميا بسبب تعاقب الليل والنهار أو تعاقب الفصول، وهي ظواهر دورية ومحددة نتيجة دوران الأرض حول الشمس واختلاف كمية الطاقة التي تستقبلها كل منطقة على سطح الأرض باختلاف الموقع والزمان. أما التغيرات المناخية فهي تغيرات مؤثرة وطويلة المدى يمكن أن تشمل معدل درجات الحرارة ومعدل تساقط الأمطار وتغير التيارات الهوائية والبحرية الكبرى، وتمتد على مئات السنين وربما آلاف.

أما النشاط الشمسي فيتم في دورات منتظمة أشهرها -وأقصرها- تلك التي تدوم في المتوسط 11 سنة، وهي معروفة لدى العلماء منذ أواسط القرن التاسع عشر. ويتم قياس هذا النشاط بجملة من المؤشرات كقوة الإشعاع المغناطيسي وعدد الانفجارات الشمسية وعدد البقع على السطح المرئي للشمس، وهي بقع تتميز بانخفاض حرارتها وبنشاطها المغناطيسي المكثف مقارنة بالمناطق المحيطة بها. وتشهد الشمس حاليا دورتها الرابعة والعشرين التي بدأت عام 2008 ومن المنتظر أن تنتهي عام 2019.

حين تكون الشمس في أوج نشاطها فإنها تطلق رياحا شمسية قوية تؤثر على مناخ الأرض (رويترز)

فرضية قديمة
لا شك أن الشمس -منذ أن نشأت الحياة على الأرض قبل مليارات السنين- هي مصدر الدفء اللازم لاستمرار الحياة، ولولاها لكان كوكبنا صخرة جامدة مظلمة في فضاء الكون الشاسع. وهي تتحكم في جميع العوامل المناخية على الأرض من حرارة ورياح وسحب وأمطار وغير ذلك، ولهذا ربط الإنسان بين التغيرات المناخية والنشاط الشمسي منذ بداية عصر النهضة الحديث.

وكان الفلكي الإنجليزي ويليام هرشل -الذي عاش خلال القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر- أول من حاول إيجاد صلة بين النشاط الشمسي والمناخ على الأرض، إذ قام ببحث الصلة بين عدد البقع الشمسية وثمن القمح في الأسواق، ولاحظ أنه كلما زاد عدد البقع على الشمس انخفض ثمن القمح في السنة التالية، وهو ما يدل على وفرة الإنتاج. وكلما انخفض عدد البقع -وهو مؤشر على انخفاض النشاط الشمسي- ارتفع الثمن. واستنتج هرشل من ذلك أن تغير النشاط الشمسي يمكن أن يفسر التغيرات المناخية على الأرض.

وفي التسعينيات من القرن الماضي، نشر باحثان دانماركيان هما كريستنسن وليسن في دورية "ساينس" ورقة علمية بيّنا فيها الرابط "الإحصائي" بين النشاط الشمسي وظاهرة الاحتباس الحراري. وبيّن العالمان أن الشمس حين تكون في أوج نشاطها تطلق رياحا شمسية قوية -وهي عبارة عن بروتونات وإلكترونات ذات سرعة عالية- تمنع وصول الأشعة الكونية ذات الطاقة العالية التي تأتي من الفضاء إلى الطبقات العليا للأرض.

ويؤدي ذلك إلى الحد من عمليات التأين التي تحدثها الأشعة الكونية في الطبقات العليا للغلاف الجوي، مما يقلل بالتالي من احتمال تكون "نوى التكاثف" الضرورية لتكون السحب، ويزيد من ناحية أخرى من وضاءة الأرض أي قدرتها على عكس الأشعة الشمسية الساقطة عليها، وهو ما يؤدي في النهاية إلى زيادة معدل درجة الحرارة في الجو نتيجة عامل الدفيئة.

وقد استطاع الباحثان من خلال هذه النظرية تفسير تزامن فترة الجفاف التي عاشتها مناطق عديدة في الخمسينيات من القرن الماضي مع فترة نشاط قوية للشمس، ودعم رأيهما كذلك جملة من الوثائق والقياسات العلمية تؤكد توافق آخر فترة جليدية عاشتها الأرض في القرن السابع عشر مع فترة النشاط الأدنى للشمس (أدنى موندر)، والتي سجلها الفنان الهولندي أبراهام هنديوس في بعض لوحاته التي تبين تجمد نهر التايمز بالكامل وهو ما حدث كذلك لبحر البلطيق ونهر الفولغا. وتشير الوثائق إلى حدوث مجاعة في روسيا بعد تلف المحاصيل الزراعية بسبب تجمدها.

الرياح الشمسية القوية تمنع وصول الأشعة الكونية إلى الطبقات العليا من الأرض (الأوروبية)

عصر جليدي قادم
وبما أن النشاط الشمسي يتناقص في هذه الفترة وكمية البلازما التي تطلقها الرياح الشمسية في الفضاء تضاءلت كثيرا خلال المئة سنة الأخيرة في اتجاه مستوى ما كان عليه في القرن السابع عشر، فإن العلماء المؤيدين لفكرة وجود علاقة متينة بين التغيرات المناخية والنشاط الشمسي يعتقدون أن الأرض على أبواب عصر جليدي جديد.

ويتوقع هؤلاء أن يحدث ذلك خلال الدورة السادسة والعشرين للنشاط الشمسي، والتي ستمتد بين سنتي 2030 و2040. وقد أكدت هذه الفرضية العالمة الرياضية "فالنتينا زاركوفا" من جامعة نورثامبيا في المملكة المتحدة بناء على نموذج رياضي دقيق للدورات الشمسية يوضح أن النشاط الشمسي سينخفض بمقدار 60%، ليكون عند مستوى قريب من فترة النشاط الأدنى للشمس (أدنى موندر) الذي تزامن مع آخر عصر جليدي شهده النصف الشمالي للكرة الأرضية.

ورغم أن نتائج هذا البحوث انتشرت انتشارا واسعا في الأوساط العلمية، فإنها لم تقنع أغلب العلماء بتبنيها، فتباين كمية الطاقة التي تصل الأرض حين تكون الشمس في أوج نشاطها لا يزيد على 1%عن الكمية الواصلة خلال فترة خمولها. وهو تفاوت لا يمكن أن يحدث كل هذه التغيرات على مناخ الأرض.

ومع أن منحنيي تغير معدل درجة الحرارة على الأرض وتغير النشاط الشمسي يبدوان متناغمين إلى غاية منتصف القرن الماضي فكلما زاد هذا الأخير ارتفع معدل الحرارة على الكوكب، فإنهما اتخذا اتجاهين متضادين منذ أربعة عقود، ففي الوقت الذي ينخفض فيه حاليا نشاط الشمس يزيد فيه الاحترار العالمي بشكل متسارع.

لذلك نجد أن قمة باريس حول التغيرات المناخية التي جرت في نهاية العام الماضي أهملت كليا هذا العامل وركزت توصياتها على خفض انبعاثات الغازات المسببة للدفيئة بهدف حصر الاحترار العالمي بأقل من درجتين مئويتين فوق المستوى الذي كان عليه قبل الثورة الصناعية.

لكن أنصار فرضية علاقة الشمس بالتغيرات المناخية يرفضون الاستسلام ويرون أن تداخل العديد من العوامل قد يحجب هذه العلاقة، لأن استجابة النظام المناخي لتغير ما يأخذ وقتا يتفاوت طوله بحسب قدرة هذا النظام على استيعاب المتغيرات.

فرضية جميلة ومتناسقة لكنها لا تلقى قبولا، وفي الوقت ذاته ترفض أن تموت.

________________
*إعلامي تونسي متخصص بالشؤون العلمية

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة