"حمص.. ويستمر".. يوميات نادين وأحلامها المبددة   
الثلاثاء 12/5/1436 هـ - الموافق 3/3/2015 م (آخر تحديث) الساعة 15:19 (مكة المكرمة)، 12:19 (غرينتش)

هيثم حسين

تدون السورية نادين باخص في يومياتها الشعرية "حمص.. ويستمر" مجموعة صور ولقطات ومشاهد وأحاسيس عاشتها في الفترة التي قضتها بعيدا عن مدينتها التي شهدت كثيرا من الأحداث التي غيرت جغرافيتها وتركيبتها السكانية.

وترمز الكاتبة في العنوان الذي اختارته ليومياتها -نشرتها دار النهضة العربية ببيروت 2015- إلى الديمومة والاستمرارية دون أن تحدد المقصود بعينه، بل تتركه في مهب التخمين انطلاقا من قراءة الواقع ومجرياته ومستجداته، إذ يمكن التكهن بأن يستمر الحلم والحصار والاقتتال أو الجنون، وهكذا ينفتح العنوان على دلالات ترميزات واقعية ومتخيلة في الوقت نفسه، وتكون المدينة باقية مستمرة في عطائها واحتضانها بنيها في الحاضر كما في الماضي.

مدينة متشظية
تنقسم حمص في ذاكرة الكاتبة إلى مدينتين، تشعر بتشظيها وانقسامها، تقول "بين تلك الحمص، وهذه/ سنة ونصف فقط".

وهي في إقامتها بعيدا عن مدينتها تشعر بهول ما عاشته وتعيشه المدينة من أحداث جسام، تستشعر الأخطار تبعا لمقياس خاص بها، فلا نشرات الأخبار ولا وسائل الاتصال تروي ظمأها لمعرفة ما يجري هناك، وحده صوت أمها يطمئنها وتكتشف عبره درجة الخطورة، وتراها تقول "كل صباح/ أقيس درجة الخطورة في حمص/ بحرارة الغصة في صوت أمي".

حمص التي تشتهر بكثرة أدبائها وشعرائها تفتقد تلك الميزة في الظرف الراهن، أو تتحول عادات شعرائها إلى موضع آخر، وكأن الشعر يكون ضحية بدوره، وتقول "لم يبق من حمص إلا شعراء/ بعثرت الريح مجازهم"

تصف صاحبة المجموعة الشعرية "وانتهت بنقطة" حياة تفتقر إلى معناها الحقيقي في ظل الحرب وانقطاع الخدمات الأساسية، وفي بحر التصارع والاتهامات المتبادلة بين أهل المدينة من مختلف الانتماءات، وتشعر بالأسى لذلك فتقول "في حلقي موت/ يبلع اللقمة".

وتشير باخص إلى تخلي كثيرين عن إنسانيتهم وانسياقهم وراء جنون الحرب، لافتة في إشارة مريرة إلى تنكر الناس لبعضهم بعضا "هنا.. يكاد الموت أن يكون الوحيد/ الذي يخلص لك/ من دون أن يكون بينك وبينه خبز وملح".

كما تلفت النظر إلى حالة الهدوء الذي يسبق العاصفة في المدينة التي ظلت مستعرة قرابة سنتين، ولم تهدأ إلا لتحمل جمرة تفجر مؤجل موقوت، وتكتب "حين يعم الهدوء، تكون حمص قد ارتدت/ أكثر أقنعتها غشا".

حمص -التي تشتهر بكثرة أدبائها وشعرائها- تفتقد تلك الميزة في الظرف الراهن، أو تتحول عادات شعرائها إلى موضع آخر، وكأن الشعر يكون ضحية بدوره، وتقول "لم يبق من حمص إلا شعراء/ بعثرت الريح مجازهم".

وتستطرد باخص في توصيف حالة مجازية تكمن في إعدام القصائد ميدانيا عقابا لأصحابها، وكأن الكلمة في مواجهة الرصاصة عبث أو مضيعة للوقت "لما كانت حمص/ المدينة التي أنجبت أكبر عدد من الشعراء/ كان عقابها الأكبر/ إعدام القصائد ميدانيا". ثم تكتب بأسى "على شرف القذيفة/ يكتب بقايا شعراء حمص/ قصائدهم".

وتلتقط صاحبة "أخفي الأنوثة" صورا من مأساة تغير المدينة وأهلها، فحمص التي تشتهر بروح النكتة العالية لدى أبنائها باتت مستنزفة مرهقة، وعلى الرغم من ذلك فأبناؤها يحرصون على استمرارية روح المرح والدعابة لديهم، ومواجهة الموت والقهر بالضحك.

تكتب باخص "على الرغم من كل ما يحدث يحول الحمامصة المآسي إلى نكات/ ويديرون أزماتهم بالضحك".

ثم ترمز إلى تفخيخ المجتمع بالضغائن والأحقاد، إذ تعترف "كنت في ما مضى من الزمان الحمصي/ حين أطأ إسفلت الطريق/ أحس كم أحب هذه الأرض، اليوم وأنا أسير على أطراف أصابعي/ لا أملك إلا أن أحس/ بخوفي من حقد ما/ فخخ به الإسفلت نفسه".

إرث تاريخي
تحتل الذاكرة الشخصية والجمعية والذكريات حيزا مهما من اهتمام باخص، حيث تمثل لها إرثا تاريخيا، وزوادة مستقبلية لإعادة ترميم الجراح ومحاولة البناء على المشتركات "هنا في الذاكرة الجمعية/ ترقد حارات حمص القديمة/ بانتظار يوم البعث".

تربط الشاعرة بين واقع الحمصيين وواقع الفلسطينيين من حيث التشرد والنزوح، وتكتب "المرأة الفلسطينية التي شاهدتها في نشرة الأخبار/ تشكو المستوطنين الذين يريدون أن يأخذوا الزيتون/ جعلتني أتمنى لو أن عدوي أجنبي/ جاء ليقتلني ويسرق زيتونتي"

وتضيف في موضع آخر "لم أكن أتخيل أن الذكرى يمكن أن تموت أيضا/ من شدة التعذيب/ ولا تجد لها قبرا، فقط تغور تحت الأنقاض".

ولا تنفي باخص جانب المشقة في إعادة ما كان، وترفع صوتها في مواجهة من يزعمون أنه يمكن إرجاع الأمور إلى ما كانت عليه، قائلة "لببغاوات تردد "غدا نعمرها "أقول: من أين لأحد أن يعيد للحجر ذاكرته؟".

وتظل باخص مرتبطة بمدينتها حمص، إذ تؤكد أن روحها تبقى هناك فيها حتى وإن غادرتها "روحي هناك.. وسط المدينة، معلقة على العقربين". وتقصد عقربي الساعة الشهيرة وسط المدينة.

كما تؤكد أنها في ترحالها ستحتفظ من حمص بما يتيسر لها من أشياء غير ملموسة "سأحمل في حقائب العودة/ كل ما بوسعي من رائحة حمص، دون أن أخشى من زيادة في الوزن".

لا تغض الشاعرة الطرف عن واقع الذهنية الطائفية الجديدة التي اكتسحت أجواء المدينة، تكتب "جميع الطرقات المؤدية/ إلى حيث يمكن أن يكون خلاص/ غير سالكة/ بسبب تراكم الطوائف".

ثم تراها توجب ضرورة البحث عن سبل إعادة تربية النشء على مفاهيم جديدة بعيدا عن مستنقع الحرب الذي يشوه الطفولة والبراءة "على اللسانيين/ التوجه إلى دراسة حقل الحرب/ الذي نما/ على لسان أطفال حمص".

وتربط الشاعرة بين واقع الحمصيين وواقع الفلسطينيين من حيث التشرد والنزوح، وذلك في بعض الإضاءات، تكتب "المرأة الفلسطينية التي شاهدتها في نشرة الأخبار/ تشكو المستوطنين الذين يريدون أن يأخذوا الزيتون/ جعلتني أتمنى لو أن عدوي أجنبي/ جاء ليقتلني ويسرق زيتونتي".

وفي مشهد آخر تقارن بين الذاكرة التي سيراكمها الزمن والاختلافات والمشتركات "غدا سنكون -كما جدات وأجداد فلسطين- نحكي لأحفادنا كيف ضاعت البلاد/ لكن العدو لن يكون واحدا في حكاياتنا".

تختم باخص يومياتها بتهنئة تختصر المأساة وتجسدها، وتكون بمثابة صرخة أسى وصفارة إنذار في الوقت نفسه، تحمل إدانة للواقع بما يعترك فيه، وذلك حين تقول "طوبى لك يا صقيع حمص/ طوبى لهذا الدمار الشامل"، وتعقب على ذلك بتهنئة تجاهد لتكون جمرة إيقاظ وصيحة تنبيه "طوباك يا بلد القصف والخطف والتشييع/ طوباك أيها الدخان/ فأنت المنتصر الوحيد/ في معركة الهزيمة هذه".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة