"المقابلة".. عندما تستنجد السياسة بالسينما   
الخميس 17/3/1436 هـ - الموافق 8/1/2015 م (آخر تحديث) الساعة 18:17 (مكة المكرمة)، 15:17 (غرينتش)

أمير العمري*


أخيرا، أصبح فيلم "المقابلة" أو The Interview متاحا لمن يريد أن يشاهده، سواء على شبكة الإنترنت، أو في عدد محدود من دور العرض الأميركية، كما يعرض في اليابان وكوريا الجنوبية وغيرهما.

وأصبح بالتالي من الممكن النظر إليه وتقويمه وتحديد رأي في هذا الفيلم الذي تحول إلى ظاهرة سياسية خلال الأشهر القليلة الماضية، ودفع كوريا الشمالية إلى التهديد بشن أعمال إرهابية تستهدف دور العرض إذا ما قررت شركة سوني التي تملك حقوق توزيعه، عرضه للجمهور العام في أميركا.

مرت الضجة التي أثيرت حول هذا الفيلم بعدة مراحل:

في 20 يونيو/حزيران 2014 صرح المتحدث الرسمي باسم حكومة كوريا الشمالية بأن الفيلم يفضح خطط الولايات المتحدة لاغتيال زعماء سياسيين في أفغانستان والعراق وأوكرانيا.

وفي 25 يونيو/حزيران توعدت وكالة الأنباء في كوريا الشمالية برد انتقامي "لا رحمة فيه" في حال عرض الفيلم الذي اعتبرته عملا إرهابيا. وفي 11 يوليو/تموز دان سفير كوريا الشمالية في واشنطن هذا العمل قائلا إن إنتاج مثل هذا الفيلم وعرضه يعتبر "عملا من أعمال الحرب".

مشهد من فيلم "المقابلة" يظهر الزعيم الكوري الشمالي في مقابلة مع الصحفيين

قرصنة وتهديد
وفي 17 يوليو/تموز طالبت وكالة أنباء كوريا الشمالية الرئيس باراك أوباما بوقف عرض الفيلم. وفي 24 نوفمبر/تشرين الثاني أغارت جماعة تسمي نفسها "حراس السلام" على شبكة الكومبيوتر في شركة سوني واستولت على الكثير من الوثائق والمعلومات والخطط الخاصة بمشاريع أفلام الشركة، وقامت بتسريب بعضها إلى العلن، وهددت بكشف المزيد إذا لم تقرر الشركة إلغاء العرض المقرر للفيلم في عيد "الكريسماس". ويعتقد مكتب التحقيقات الفدرالي الأميركي أن وراء هذه الجماعة الاستخبارات الكورية الشمالية.

وقد دفعت هذه التهديدات شركة سوني إلى تعليق عرض الفيلم مما جعل الرئيس باراك أوباما يبدي استياءه من هذا القرار علانية، فعدلت الشركة عن قرارها وقررت عرضه على نطاق محدود في عدد من دور العرض الأميركية، كما جعلته متاحا على شبكة الإنترنت لمن يدفع ثمنه. غير أن هذه العروض لم تجلب سوى نسبة صغيرة من تكاليف الفيلم البالغة 100 مليون دولار.

ولكن ما هو موضوع الفيلم نفسه، ومستواه الفني؟

دعاية سياسية
يصور الفيلم كيف يكتشف المذيع التليفزيوني الشهير "ديفد سكايلارك" -صاحب برنامج التوك شو الشهير الذي يدير حوارات مع شخصيات عامة تكشف خلاله عن أسرار دفينة في شخصياتها- أن زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون معجب بالبرنامج ويتابعه باستمرار، وينتهز مخرج البرنامج "أرون ربابورت" الفرصة لعمل ترتيبات لإجراء مقابلة تلفزيونية مباشرة مع الدكتاتور الكوري الذي تحكم عائلته كوريا الشمالية وتتوارث الحكم فيها منذ ستين عاما.

ليس من المستبعد أن تكون السي آي أي قد لعبت دورا مباشرا في دعم هذا الفيلم. وقد تسربت أنباء في الصحف الأميركية مؤخرا عن أن هناك لاجئة من بيونغ يونغ إلى سول تستعد حاليا لإلقاء مائة ألف أسطوانة مدمجة منه فوق كوريا الشمالية

ولكن المخابرات الأميركية تتدخل وتكلف الرجلين باغتيال الزعيم الكوري، باستخدام السم، ويرحل الاثنان إلى بيونغ يانغ، وهناك تستقبلهما "سونغ" مساعدة كيم، ثم يقضي المذيع أمسية مع الرجل يستمتع خلالها باللهو معه ومع حاشيته، فيعود ليقول لصاحبه إن الرجل لطيف للغاية بل أقرب إلى طفل، ويتم التراجع بالتالي عن فكرة اغتياله، لكن يكتشف الاثنان أن الزعيم الكوري يخفي الأسلحة النووية داخل فاكهة، ثم يكشف كيم الوجه القبيح له وأنه وحش معقد نفسيا يستمتع بإذلال شعبه، ويخطط الاثنان بالتعاون مع سونغ -التي تعلن لهما أنها تعارض كيم وتكرهه- الخلاص منه، لكنها تقترح كشف نقاط ضعفه أمام الجمهور في كوريا الشمالية لكي تسقط أسطورته ويزول خوف الناس منه.

وخلال المقابلة يكشف ديفد نقاط الضعف القاتلة في علاقة كيم بوالده الراحل ويجعله يبكي على الملأ بما يحقق الغرض، وعندما يكتشف كيم الخدعة التي وقع ضحية لها يطارد الرجلين مع قواته لكي يقتلهما، لكن ديفد يتمكن من قتله بتصويب مدفع دبابة إلى طائرته "الهليكوبتر"، ثم تقوم ثورة شعبية في البلاد وتتحول كوريا الشمالية إلى الديمقراطية بعد أن يرجع الأميركيان إلى بلدهما.

مشهد من الفيلم يظهر فيه الممثلان سيث روغن وجيمس فرانكو أمام جنود كوريين

حكاية ساذجة
هذه القصة الخيالية المفبركة هي أقرب إلى حكايات الأطفال البدائية الساذجة، والأكثر مدعاة للسخرية أن أسلوب إخراج كل من إيفان غولدبرغ وسيث روغن (الذي يقوم بدور أرون أمام جيمس فرانكو في دور ديفد) يعتمد على المواقف الهزلية التي تمتلئ بالمبالغات، سواء في الحركة أو في التعليقات اللفظية التي يتصور فريق هذا الفيلم أنها يمكن أن تولد الضحك، في حين يفتقد الفيلم إلى أدنى درجات الحس الفكاهي الطبيعي، بل يمتلئ بالشتائم القبيحة والنكات الجنسية التي تلعب على موضوع الشذوذ الجنسي.

وبطبيعة الحال، يتم تقديم الزعيم الكوري كنمط أبله فيه من السذاجة والطفولة قدر ما فيه من الشراسة والقسوة، وكأننا أمام "فارس" farce هزلي من زمن الحرب الباردة، من تلك الأفلام التي كانت تمولها المخابرات الأميركية لتشويه زعماء البلدان المناوئة للسياسة الأميركية.

وليس من المستبعد بالطبع، أن تكون السي آي أي قد لعبت دورا مباشرا في دعم هذا الفيلم. وقد تسربت أنباء في الصحف الأميركية مؤخرا عن أن هناك لاجئة من بيونغ يونغ إلى سول تستعد حاليا لإلقاء مائة ألف أسطوانة مدمجة منه فوق كوريا الشمالية، أي أن الفيلم أصبح بالفعل سلاحا في الحرب الباردة بين الكوريتين، كما أن "هوليوود" المدعومة من الخارجية الأميركية، تأمل أن يشاهد الكوريون الشماليون الفيلم عبر شبكة الإنترنت، وكأن "سوني" تعمدت أن تتسرب نسخة مقرصنة من الفيلم تصبح متاحة الآن على شبكة الإنترنت.

فشل ذريع
ولعل ما كشفت عنه عملية اقتحام أسرار شركة سوني يستدعي الوقوف أمامه بتدقيق. فقد نشر قراصنة الموقع بعض رسائل البريد الإلكتروني المتبادلة بين رئيس شركة سوني وبين شخص يدعى بروس بينيت، يعمل خبيرا في شؤون الأمن في وكالة تمولها الحكومة الأميركية مختصة بشؤون التسليح والدفاع.

هذا الرجل كتب لمدير الشركة ينصحه بعدم تخفيف بشاعة مشهد مقتل الزعيم الكوري كما كانت الشركة تعتزم، على أساس أن هذا مطلوب لإثارة المشاهدين في كوريا الشمالية "بعد أن يتسرب الفيلم إلى هناك"، ويرد عليه مدير الشركة بالقول إن مسؤولا رفيعا في الخارجية الأميركية يتفق مع هذا الرأي، فيعود بنيت ليطمئن مدير الشركة بالقول إن مكتب روبرت كنغ، المبعوث الأميركي الخاص بحقوق الإنسان في كوريا الشمالية، يؤكد أن "تهديدات كوريا الشمالية فارغة لا قيمة لها".

بعد كل هذا الضجيج والتدخل الرسمي الخفي في الفيلم، فشل الفيلم نفسه في تحقيق الهدف منه بسبب تهافت حبكته وخفته الشديدة، وعجزه الفاضح عن الإقناع، وميله الواضح إلى استجداء الضحك ولو عن طريق خلع الملابس والتشويه المتعمد والاستهجان السخيف الذي لا يرقى إلى مستوى التعبير الساخر في الفن عموما. ولهذا لا نتوقع أن يكون لفيلم "المقابلة" أي رد فعل يخدم الهدف منه، بل ولا نتوقع حتى أن يسترد الفيلم تكاليفه، خاصة بعد أن أصبح متاحا بالمجان لمن يشاء!

_______________

* كاتب وناقد سينمائي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة