ملف مفقودي حرب تشاد يؤرق الليبيين   
الخميس 1433/11/19 هـ - الموافق 4/10/2012 م (آخر تحديث) الساعة 13:30 (مكة المكرمة)، 10:30 (غرينتش)
إدريس (يمين) انقطعت أخباره منذ عام 1987 (الجزيرة نت)
خالد المهير-بنغازي

حين أخذ الحاج علي العقيلي يتحدث عن فقدان شقيقه إدريس في الحرب التي خاضها نظام العقيد معمر القذافي ضد الجارة تشاد في الثمانينيات انحدرت دمعة على خده، وهو يحكي عن سنوات مع الحزن والألم والأمل.

ورغم مرور هذه السنوات لم تفقد العائلة الليبية الأمل في بقاء الابن الذي جنده نظام القذافي للقتال في تشاد، فهو إلى هذه اللحظة حي يرزق في المستندات الرسمية ودوائر الدولة القديمة والجديدة.

ذهب إدريس آدم العقيلي إلى الحرب، وهو في سن الثامنة عشرة، وكان يعمل عريفا في البحث الجنائي في أكتوبر/تشرين الأول 1986، ومنذ عام 1987 انقطعت أخباره، وبدأت بعد ذلك فصول البحث عن مصيره.

قصة العقيلي هي قصة آلاف الأسر التي تنتظر معرفة مصير أبنائها، فقد دخلت القوات الليبية إلى عمق الأراضي التشادية، وتركت مصير الآلاف من الجنود والضباط تحت رمال الصحراء.

بصفوف المعارضة
زارت الجزيرة نت العائلة في بنغازي، والتقت ثلاثة أجيال من أقرباء المفقود، بعضهم استحضر قليلا من الذكرى، وآخرون لم يتبق معهم من إدريس سوى صور باهتة وبطاقة تعريف متهالكة بفعل الزمن.

حسن العقيلي: نريد حقيقة وفاة ابننا رسميا (الجزيرة نت) 

يقول شقيقه حسن إن العائلة وقعت في لبس مع قريب لهم اسمه إدريس جمعة العقيلي، هذا الأسير الليبي تمكن من الوصول إلى زائير، ومن ثم إلى ليبيا عبر وساطات حينها، وجاء شخص آخر من أميركا ليقول إن العقيلي بالولايات المتحدة وانضم إلى صفوف المعارضة، وقرر النظام السابق إيقاف إجراءاته القانونية في فبراير/شباط 2002.

يضيف حسن أنهم بذلوا جهودا مضنية طيلة السنوات السابقة لتحديد مصير شقيقهم دون جدوى، مشيرا إلى أن العائلة دفعت ثمنا كبيرا مقابل التعامل مع ابنها بأنه معارض، وذكر أن أحد الضباط الكبار بوزارة العدل أبلغهم رسميا بأنه من المعارضة، وبالتالي حرمان الأسرة من حقوقهم، زد على ذلك متابعتهم بدقة واستجوابهم لدى الأمن الخارجي من حين لآخر.

بعد خمس سنوات عاودت العائلة رحلة البحث عن إدريس، ويروي ابن أخيه رافع للجزيرة نت رحلة من المتاعب مع الأجهزة الأمنية، ويقول إنهم أخبروا الأمن بوفاته، استنادا إلى شهادات بمقتله في معركة فادا بالأول من يناير/كانون الثاني 1987، موضحا أن رفاقه طلبت منهم دوائر المخابرات عدم أخبار عائلته.

قائمة طويلة
وعاد شقيقه حسن ليوضح أن ضباط الأمن مثل العميد موسى العقوري أكدوا لهم غياب المعلومات المؤكدة عن وفاة ابنهم، وطلبوا إثبات الوفاة من خلال شهود.

وذكر أن هؤلاء المسؤولين اعترفوا بإجراءات الوفاة لكنهم أبلغوهم أن هذه الإجراءات توقفت في طرابلس والجفارة -مقر هيئة الإدارة- وطلبوا منهم قائمة طويلة من التفاصيل والمعلومات التي تعذر الحصول عليها، وأبلغوهم بأن المعلومات متذبذبة إما أن يكون على قيد الحياة أو توفي.

إدريس العقيلي اختلط اسمه مع آخر انضم لصفوف المعارضة فتضاعفت معاناة أسرته (الجزيرة نت)

ويضيف حسن أنهم عاشوا حياتهم في قلق، مؤكدا رغبتهم في الحصول على ما يفيد بوفاته، وذكر أنه حتى بعد الثورة التي أطاحت بالقذافي مازالت إجراءات إثبات الوفاة رهن أدراج المسؤولين ودوائر القضاء، مشيرا إلى أنه تجشم عناء السفر عدة مرات إلى طرابلس للحصول على رأي المستشار القضائي المكلف من رئاسة أركان الجيش الوطني للنظر في القضية بدون فائدة.

ويسرد شقيقه الأكبر علي كيف أن والدته كانت تلح على رؤيته قبل موتها، متحدثا للجزيرة نت عن لحظات عصيبة عاشتها العائلة حين كانت الأم تودع الدنيا دون مشاهدة ابنها.

ويعود رافع للقول إن القذافي لم يعترف بالجنود الذين أرسلهم للحرب، في إشارة إلى قوله في إحدى المناسبات إن ليبيا ليس لديها أسرى، مؤكدا أنهم تعرضوا لاتهامات باطلة ومضايقات بعد تسريب معلومات عن ذهاب ابنهم لأميركا، لكنه أردف يقول إنهم فقدوا الأمل في بقائه حيا مع انتشار وسائل الاتصالات.

صورة باهتة
وبينما يختم حسن حديثه قائلا إن شقيقه لم يأت "لا مفقود ولا معارض ولا شهيد" يقول سلامة أحد شباب العائلة للجزيرة نت أنه لم يعد يذكر سوى صورة باهتة عن عمه، وأنه اتصل بالمخرج الليبي المعروف محمد مخلوف بالولايات المتحدة عام 2009 سرا لشدة تضييق الأمن عليهم، لكن مخلوف أكد له أن من تحدث بإحدى الإذاعات باعتباره معارضا عام 1993 هو العقيلي الآخر، وليس عمه، وأن جميع الروايات تتفق على أن عمه مات في معركة فادا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة