الروائي إبراهيم إسحق يتبع خطى بني هلال   
الأحد 16/5/1435 هـ - الموافق 16/3/2014 م (آخر تحديث) الساعة 17:58 (مكة المكرمة)، 14:58 (غرينتش)
إبراهيم إسحق: السير العربية تعادل موجة السرد الرومانسي الأوروبي بالعصور الوسطى (الجزيرة)
محمد نجيب محمد علي-الخرطوم
 
يطل الروائي والقاص السوداني إبراهيم إسحق على العالم العربي ساردا السيرة الهلالية في مقاربة سودانية، ويكتب صاحب "حدث في القرية" تغريبة بني هلال بنفس مختلف مستحضرا السيرة النثرية الشفهية لهذه الملحمة الشعبية، وهو لا يبتعد في ذلك كثيرا عن الأجواء الملحمية التي تزخر بها كتاباته عن قرى دارفور.
 
يعود إسحق متبعا خطى بني هلال، وقد راكم تجربة سردية طويلة كرسته كأحد أبرز الكتاب في السودان، صدرت له حتى الآن ست روايات وثلاث مجموعات قصصية وجدت حظها من الدراسة الأكاديمية والنقدية، وله أيضا مؤلفات في التاريخ ودراسات ومقالات عديدة.
 
وفي السيرة الهلالية، لا يزايد الكاتب السوداني على جهد الشاعر عبد الرحمن الأبنودي في توثيق هذه الملحمة، لكنه يرى أنه اقتصر على جمع السيرة الغنائية والشعرية التي يتفرد بها الصعيد في مصر.
 
وحتى في صعيد مصر -كما يقول إسحق- توجد أنواع من السيرة النثرية الشفهية التي لم يجمعها الأبنودي، وهذه النسخة النثرية هي التي غزت شمال السودان ووسطه حتى كردفان، وتلاقحت مع بعض السرد النثري في المغرب العربي الكبير.

ويرى الكاتب السوداني أن المستشرقين اهتموا منذ القرن التاسع عشر بالمجلدات الضخمة للسيرة الشعبية العربية وهي دون العشرة (عنترة، بنو هلال، ذات الهمة، سيف بن ذي يزن، حمزة البهلوان، الظاهر بيبرس، والزير سالم)، ويعتبر أن محمد رجب النجار وعبد الحميد يونس وشوقي عبد الحكيم وفاروق خورشيد وأحمد رشدي صالح ونبيل إبراهيم وأليسون لريك من أهم الذين قدموا دراسات في هذه المجال.

وفي السودان -وفقا لمقاربة إسحق- تحكي السيرة الهلالية نثريا في حلقات مختصرة، فالريادة وميلاد الأبطال وغزوة تونس ومصير أحفاد الهلاليين تروى في شمال وشرق السودان ووسطه، بينما تروى السيرة الهلالية في غرب السودان كقصة أنساب تجعل الرواة أحفادا للهلاليين، وتعنى مادة القصص بحياة البادية ومظاهرها المتنوعة.

من مؤلفات الروائي والقاص إبراهيم إسحق (الجزيرة)

النفس الملحمي
ولا يعتبر الكاتب السوداني أن الدفق الخيالي للسيرة الشعبية العربية تغولا على تاريخ الأمة، فالخيال بالنسبة له هو تأريخ شعبي للحياة في العصور الوسطى، بينما يكاد التاريخ يقتصر على الوقائع المثبتة وشبه المثبتة من الجوانب السياسية للأمة، مع البعض من هموم الاقتصاد والاجتماع.

وتعادل السير العربية من وجهة نظره تماما موجة السرد الرومانسي الذي عرف في العصور الوسطى الأوروبية مثل: ملاحم "فرسان المائدة المستديرة" في بريطانيا و"بيوولف" في إسكندنافيا، و"رولاند" في فرنسا وإسبانيا، و"سيغفريد" في ألمانيا وهنغاريا، وغيرها. ولا يجدر بالكتاب -كما يتصور-أن يخلطوا ما بين التاريخ الوقائعي وتاريخ السرد الشعبي الذي يمثل إرثا قائما بذاته لتصور الأمة عن نفسها.

تميز سرد إسحق لأنماط الحياة في مناطق دارفور بنفس ملحمي، إلا أن الحوار باللغة الدارفورية -كما يقول البعض- قلصت من أهمية ما يكتب وقلصت من انتشاره، وهو لا يرى أن كتاباته قد بلغت المستوى الملحمي، ولكنها محاولة لتسجيل ملامح الحياة في منطقة متخلفة مدنيا وبعيدة عن الأضواء، ولكنها تستحق أن يعرفها الآخرون، كما يقول.

ويعتقد صاحب "ناس من كافا" أن ما يتعلم من المتن السردي العالمي يجبر الكاتب على تقديم صور هذه الحياة بصدقية وجمالية تنتمي إلى أرفع النماذج السردية المعمول بها في العصر، لكن مجموعة عوامل أدت إلى صعوبة النص الذي ينسجه بالنسبة لبعض السودانيين ولكثير من القراء العرب.

فالواقع ومسمياته واللغة القروية المحلية كلها -كما يقول- قد تبدو شاذة عند بعض القراء، ولكن هذا لا يمنع بأنها لغة عربية أصيلة وإن كانت قد تجاوزتها اللغة العربية الحديثة، فالنص السردي بشروطه المذكورة يجب ألا يساوم على الجوانب الفنية والصدقية مقابل أن يكون مفهوما ومرغوبا من القراء.

ومع ذلك، يعتقد صاحب "أخبار البنت مياكايا" أن اطلاع القراء على هذه النصوص الروائية أو القصصية يمنحه الكثير من الرضا عما يحاول عمله، ولعل الاهتمام بما يقوله النقاد عن استحقاق هذا العمل لمجهود القراء سيلفت نظر الكثير من الناس مستقبلا إلى هذا العطاء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة