الحاج رجب عميد الخيزرانيين بفلسطين   
الاثنين 1430/7/6 هـ - الموافق 29/6/2009 م (آخر تحديث) الساعة 13:01 (مكة المكرمة)، 10:01 (غرينتش)
الحاج رجب تجاوز المائة من العمر والابتسامة ما زالت تملأ محياه (الجزيرة نت)

أحمد فياض-غزة
 
ينام ويستفيق وهو يحلم بأعواد الخيزران، وما إن يبدأ يومه حتى يجد نفسه متنقلا بين الحرفيين في مصنعه الموجود بباحة بيته موجهاً سيلاً من الإرشادات والنصائح الممزوجة بروح الدعابة والابتسامة، رغم تجاعيد الشيخوخة المرسومة على ملامح وجهه.
 
المعمر رجب عبد الله خلف الذي تجاوز عمره القرن والست سنوات هو الشاهد الوحيد على مولد صناعة الخيزران بمختلف أنواعها وأشكالها في فلسطين.
 
ورغم بلوغه من العمر عتيا فإنه ما زال يحتفظ بلسان فصيح ينم عن ثقافته ودرايته الواسعة وذاكرته الفولاذية التي كانت تسعفه بين الفينة والأخرى في الإجابة على كافة استفسارات الجزيرة نت التي تناولت تفاصيل حياته منذ طفولته حتى شيخوخته.
 
وتأبى ذاكرة الحاج رجب المزدحمة بالأحداث التي لفته منذ ميلاده عام 1903 مروراً بمعاصرته للحكم العثماني والاحتلال الإنجليزي وأخيراً الإسرائيلي، إلا أن تذكر أدق التفاصيل في الحقب التاريخية التي عاشها وكان شاهداً عليها.
 
أحد أحفاد الحاج رجب يصنع كرسيا
من الخيزران (الجزيرة نت)
رحلة الكفاح

يقول الرجل عن رحلة كفاحه مع الحياة إنه "سافر بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى عام 1918 من غزة إلى القدس والتحق بمعهد دار الأيتام الإسلامية فيها، ثم انتقل من فصوله الدراسية إلى الفصول المهنية نتيجة الأوضاع الصعبة التي كانت تعيشها فلسطين وحاجة الأهالي إلى تعليم أبنائهم حرفة يوفرون من خلالها مصدراً للرزق".
 
ويضيف أنه في عام 1927 اختاره المعهد ضمن 15 طالبا بغرض السفر إلى مصر للتعلم أكثر من فنون مهنة صناعة الخيزران التي لم تكن تعرفها فلسطين حينذاك. وبعدما انتهى الشاب اليافع من اكتساب خبرة وأسرار هذه الصنعة من الحرفيين المصريين، عاد إلى القدس وفتح فيها محلاً صغيراً للخيزران.
 
ولم يمكث الحاج رجب طويلاً في القدس لينتقل إلى مدينة يافا التي كانت تزدهر فيها الصناعة والتجارة وأسس هناك محلاً صغيراً لصناعة الخيزران سرعان ما توسع شيئاً فشيئاً وأصبح مشغلاً واسع الشهرة.
 
وظل يعمل بنفس الحماسة والنشاط حتى النكبة عام 1948 التي قلبت حياته رأسا على عقب، وحينها اضطر للهجرة إلى غزة تاركاً وراءه الجمل بما حمل أسوة بباقي المدن والقرى الفلسطينية التي أجبرتهم العصابات الصهيونية على الخروج منها.
 
أحد أبناء الحاج رجب داخل الورشة (الجزيرة نت)
أقسى السنين

ويذكر المعمر الفلسطيني أن نكبة فلسطين كانت أقسى سني حياته، فقد عاد إلى غزة فاقداً المال وستة من أبنائه الذين توفوا بالمرض وأخطاء أطباء يهود، الأمر الذي دفعه للسفر إلى السعودية بعدما ساءت ظروفه المعيشية إلى درجة لم يعد قادراً معها على البقاء في غزة، وهناك افتتح أول معرض لبيع الخيزران حيث بدأت أموره تتيسر.
 
لكن اشتياقه للوطن دفعه للعودة مجدداً إلى غزة، ليبدأ من جديد مسيرة تطوير صناعة الخيزران بإرادة صلبة لا تلين، وإصرار على إكساب الأبناء والأحفاد أسرار هذه الحرفة أملاً في الحفاظ عليها من الضياع أو الاندثار، وكان للحاج رجب ما تمناه فأصبح أبناؤه وأحفاده من كبار صناع الخيزران في غزة الذين لا يزالون يخضعون لإمرته وتوجيهاته.
 
ويقارن الحاج خلف فكرة ذيوع صناعة الخيزران في غزة هذه الأيام في ظل ظروف الحصار الإسرائيلي بتلك الفترة التي ذاعت فيها في فلسطين بشكل عام عندما ضرب زلزال شديد الأراضي الفلسطينية عام 1927، وتعرضت المدن والقرى لأضرار كبيرة، مما دفع الناس للإقبال على صناعة الخيزران كبديل يمكن استخدامه في تأثيث منازلهم التي دمرها الزلزال.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة