انفجارات بغداد تثير التساؤل   
الخميس 29/8/1430 هـ - الموافق 20/8/2009 م (آخر تحديث) الساعة 16:59 (مكة المكرمة)، 13:59 (غرينتش)

جرافة تزيل الحطام الناجم من تفجيرات أمس أمام مبنى وزارة الخارجية (الفرنسية)

ما إن ظن الجميع أن العراق بدأ يسترد عافيته تدريجيا لا سيما بعد انسحاب القوات الأميركية من مدنه وانحسار نشاطات الجماعات المسلحة، حتى أطل العنف برأسه من جديد. وما التفجيرات التي زلزلت بغداد أمس إلا خير دليل على ذلك.

فهل جاء قرار سحب القوات الأميركية من المدن في غير موعده، أم أنها الفتنة الطائفية التي ما تكاد تغفو حتى تستيقظ مرة أخرى, أم هي مؤامرة إسرائيلية أميركية لزعزعة الاستقرار لحاجة في نفس كوهين أو العم سام؟

هي أسئلة وأحداث أعمل الصحفيون والكتاب أقلامهم بحثا وتنقيبا فيها لعلهم يجدون أجوبة عنها.

المذبحة
فقد وصفت صحيفة ذي تايمز البريطانية ما جرى في بغداد أمس بالمذبحة, مشيرة إلى أن التفجيرات تحمل في طياتها تحذيرا من أن العراق أبعد ما يكون عن الاستقرار بعد أن أشاحت بريطانيا والولايات المتحدة أنظارهما عنه لينصب اهتمامهما على أفغانستان.

"
من نفذوا تلك التفجيرات استهدفوا وزارتي الخارجية والمالية ليبعثوا برسالة واضحة مفادها أنهم قادرون على أن يضربوا الحكومة في العمق
"
ذي تايمز
وأضافت أن من نفذوا تلك التفجيرات استهدفوا وزارتي الخارجية والمالية ليبعثوا برسالة واضحة مفادها أنهم قادرون على أن يضربوا الحكومة في العمق.

كما أنها لم تكن على الأرجح مصادفة أن تتزامن تلك الموجة من الأحداث -التي وصفتها الصحيفة بأنها كانت متقنة التنسيق- مع الذكرى السادسة للهجوم الانتحاري على مقر الأمم المتحدة القديم في العاصمة العراقية.

ويثير "سفك الدماء" أمس تساؤلات بشأن إستراتيجية الرئيس الأميركي باراك أوباما لسحب قوات بلاده من المدن العراقية قبل أسابيع عدة, تاركا زمام السيطرة على الأوضاع لقوات الأمن المحلية.

ولعل هذه الأحداث تشكك في الحكمة من إصدار رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي أوامره بإزالة الحواجز الإسمنتية من شوارع وطرقات بغداد وهي التي ساعدت في الحد من تحركات من نعتتهم الصحيفة بالانتحاريين.

وتزعم صحيفة ذي تايمز أن الأسلوب الذي نفذت به التفجيرات هو ذاته الذي ينتهجه من سمتهم "المتطرفين من الإسلاميين السنة" المرتبطين بتنظيم القاعدة.

تساؤلات خطيرة أخرى تثار إزاء مدى قدرة قوات الأمن العراقية التي تلقت تدريبا بريطانيا وأميركيا على الوقوف على أقدامها, وهي الغاية التي تصبو لندن وواشنطن لتحقيقها في كل من العراق وأفغانستان.

غرور قاتل
واتفقت صحيفة ذي غارديان مع مواطنتها ذي تايمز في وصفها لما حدث بالمذبحة, كما لم تعتبره حادثا منعزلا.

وقالت الصحيفة إن رد فعل جنرالات وقادة الشرطة العراقيين عند بدء انسحاب الأميركيين اتسم بقدر من "الخيلاء" إذ لم يكتفوا بتأكيد مقدرتهم على معالجة النواحي الأمنية وعلى كيفية التعامل مع الأميركيين, بل إن بعضهم ألمح إلى أنهم قادرون على التصدي لها على نحو أفضل إذا ما ابتعد الأجانب عن طريقهم.

وذكرت ذي غارديان أن الصحفيين الأميركيين الذين كانوا يغطون مجرى العمليات المشتركة بين الجيشين الأميركي والعراقي في الأسابيع الأخيرة وقفوا على العديد من العادات السيئة التي لم تفلح الدورات التدريبية في معالجتها من تراخ في العمل أثناء الدوريات إلى اختلاس الزمن لتناول الشاي في أوقات غير مناسبة.

وفي تقرير أحدث هزة عند الكشف عن مضمونه قبل أسبوعين من الآن, حصر أحد كبار مستشاري الجيش الأميركي وهو الكولونيل تيموثي ريس الصفات غير الحميدة لدى القوات العراقية في الفساد وسوء الإدارة وفقدان روح المبادرة والعجز عن مقاومة ضغوط الأحزاب السياسية الشيعية.

ورأت الصحيفة أن القادة ومسؤولي الأمن العراقيين مقبلون على أيام أشد وطأة ما لم يظهروا تحسنا سريعا في تصديهم للمتمردين.

وأشارت إلى أن الشيعة يبدون هذه الأيام نزوعا "مدهشا" نحو ضبط النفس في ردهم على الهجمات التي تتعرض لها مناطقهم ودور عبادتهم.

غير أن ذي غارديان تستدرك لتخلص إلى أن لضبط النفس حدودا سيتم تخطيها إذا ما تواصلت الاستفزازات دون أن يكبحها كابح.

بصمات القاعدة
"
رد فعل قادة الشرطة العراقية عند بدء انسحاب الأميركيين اتسم بـ"الخيلاء" إذ لم يكتفوا بتأكيد مقدرتهم على معالجة النواحي الأمنية، بل ألمح بعضهم إلى قدرتهم على التصدي لها على نحو أفضل إذا خرج الأميركيون
"
ذي غارديان

وفي الصحف الأميركية ادعت صحيفة كريستيان ساينس مونيتور أن هجمات أمس المنسقة بحجمها وتعقيدها تحمل بصمات تنظيم القاعدة في العراق.

ونقلت الصحفية في تقرير لمراسلتها من بغداد انطباعات ومشاعر عراقيين تواجدوا في مسارح التفجيرات الستة.

فقد اتهم أحد حراس مبنى وزارة الخارجية قوات الأمن العراقية بالافتقار للقوة الكافية, لافتا نظر مراسلة الصحيفة إلى رجال الشرطة وهم يتجاذبون أطراف الحديث عبر الهواتف النقالة ويستمعون للموسيقى.

وألقى أحد الكنّاسين بالمسؤولية على المنتسبين لحزب البعث لأنهم يعشقون التدمير على حد قوله, لكن رجلا آخر يعمل سائقا لا يوافق مواطنه الرأي.

وهذا شخص ثالث يعمل بقالا ينحي باللائمة فيما جرى على إسرائيل والولايات المتحدة لأنهما -كما قال- يلتمسان الذرائع لإبقاء القوات الأميركية في العراق.

ولم تشذ صحيفة واشنطن بوست الواسعة الانتشار عما خلصت إليه نظيراتها البريطانيات حين وصفت هجمات الأربعاء بالمذبحة, وقالت إنها تعد بمثابة دليل جديد على قوة المتطرفين السنة عقب انزواء القوات الأميركية عن المدن العراقية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة