"ليالي كازابلانكا".. رؤية للحرب الإسبانية   
الخميس 26/5/1432 هـ - الموافق 28/4/2011 م (آخر تحديث) الساعة 13:07 (مكة المكرمة)، 10:07 (غرينتش)

صورة للقيادي الجمهوري لويس رويس هويدوبرو جدّ الكاتبة ديل مورال (الألمانية) 

قدمت الكاتبة الإسبانية الشابة آدا ديل مورال عملها الروائي الأول المنفرد "ليالي كازابلانكا" في العاصمة الإسبانية مدريد التي تدور فيها أحداث الرواية، وتنتمي هذه الرواية إلى جنس أدب الحرب الأهلية الإسبانية (1936-1939) لكنها تورد ملامح تلك المرحلة من خلال تجربة عائلتها وبرؤية مختلفة.

وكتب عن هذه المرحلة الكثير من الأعمال الأدبية لمشاهير وأعمدة الأدب الإسباني أمثال كاميلو خوسيه ثيلا، وميغيل ديليبيس، وخوان مارسيه وغيرهم، حيث تناولوا هذه الحرب وتأثيراتها الممتدة من مختلف الزوايا والرؤى المتعددة والمتنوعة.

وتختلف رواية آدا ديل مورال عن غيرها من الأعمال التي تناولت الحرب، من منطلق أنها تعكس مدريد من منظور جدّ الكاتبة القيادي الجمهوري لويس رويس هويدوبرو، الناشط بالاتحاد الجمهوري وعضو اللجنة الشعبية للدفاع خلال أحداث الحرب، بشكل يصبح معه هذا الجد هو الشخصية المحورية في أحداث الرواية.

وتبدأ أحداث الرواية بالجد الأكبر فاكوندو، وهو تاجر عصامي من منطقة قشتالة (شمال)، مرورا بالعم لويس الذي ارتمى في أحضان التيار الليبرالي الديمقراطي والمحب للسينما وعالم هوليود أيضا، وصولا إليها هي شخصيا حيث تؤكد "أنا أحمل هذا التراث في جيناتي، على الرغم من أنني لم أعش جزءا كبيرا منه".

وتقوم الأديبة الشابة والصحفية الحاصلة على شهادة الدكتوراه في تاريخ المسرح، في روايتها الأولى بسرد، وبأسلوب بسيط وبراق، التجارب المريرة التي تعرضت لها عائلتها خلال الحرب، والحكم الجمهوري الذي احتفلت إسبانيا يوم 14 أبريل/نيسان بمرور ثمانية عقود على قيامه وعلى النزاع الذي أدى إلى سقوطها واندلاع الحرب الأهلية.

صورة  تظهر روزيتا خطيبة لويس رويس هويدوبرو (الألمانية)
قصة مبهرة
وتؤكد الأديبة الشابة آدا ديل مورال أن روايتها "ليست عملا عن الحرب الأهلية، كما أنها ليست كتاب تاريخ، بل هي قصة مبهرة عن مجموعة من البشر عاشوا زمنا بدأ مبشرا ومقبلا ومفعما بالأمل، وانتهى بالنقيض تماما".

ولكن رغم ذلك ورغم المعاناة التي عاشها الشعب، تسترجع آدا على صفحات روايتها وبأسلوب نقدي الأسباب التي أدت إلى فشل تجربة الجمهورية الثانية، والأسلوب الذي تم التعامل به مع ماضي إسبانيا القريب، والذي تم دفنه بالإجماع خلال فترة التحول إلى الديمقراطية عقب رحيل فرانكو عام 1975، ثم انتشاله من قبره، ولكن وفق معايير شديدة الازدواجية، في عهد حكومة الاشتراكيين بزعامة خوسيه لويس رودرغيز ثاباتيرو (2004-وحتى الآن).

ولإعادة بناء هذه الفترة المدريدية، استحضرت الكاتبة جادة "غران بيا" أو "Avenida de la Gran Via" التي احتفلت في 2010 بمرور 100 عام على إنشائها، والتي كانت في تلك الفترة عصب الحياة والمركز الرئيسي للأنشطة سواء السياسية أو الاجتماعية بالعاصمة الإسبانية، حيث انتشرت المسارح ودور السينما والمراقص والحانات بجانب المراكز الثقافية والتجارية.

ولإضفاء المزيد من الواقعية والمصداقية على الرواية، حاولت الكاتبة إجراء مقابلات مع بعض الباقين على قيد الحياة من تلك الفترة ومن بينهم عمتها التي تعمل مؤرخة، كما التقت بالأخ الأصغر للجد لويس رويث هويدوبرو الذي رفض الإدلاء بأي شهادة عن ما حدث، على غرار موقف غالبية أبناء جيله.

وتوضح الكاتبة "في ضوء ما قالوه وما سكتوا عنه بدأت استجمع أطراف الخيط" لتغوص بعد ذلك في أعماق العديد من الوثائق الأرشيفية والكتب التاريخية، كما التقت بعدد من المحاربين القدماء.

تكريم للمخلصين
الرواية مهداة أيضا إلى كل ساسة هذه الفترة المخلصين الذين حاولوا إنقاذ مشروع كانوا يؤمنون به ويتمثل في مجتمع يسوده رغد العيش والخدمات الاجتماعية، على الرغم من عدم اقتناعهم ببعض تفاصيله
ونجحت ديل مورال في الوصول إلى قائد أوركسترا قاعة "باسابوغا" (Pasapoga) التي كانت واحدة من أشهر قاعات الاحتفالات في مدريد خلال تلك الفترة، على غرار ملهى "كازابلانكا" (Casablanca) الذي كان لويس هويدوبرو يقضى به أمسياته كل ليلة تقريبا، كما كانت تعمل به خطيبته روزيتا، قبل أن تضطرها ظروف الحرب القهرية للنزوح إلى المكسيك.

وتعتبر رواية "ليالي كازابلانكا" أيضا تكريما لكل من هم على شاكلة لويس هويدوبرو، الذي على الرغم من هروب ساسة الجمهورية الثانية إلى فالنسيا (جنوب) في بداية الحرب ظل محافظا على موقعه المتضامن مع باقي أبناء شعبه، ولكنه مع ذلك لم يفلح في تفادي أهوال الحرب.

كما أن الرواية مهداة أيضا إلى كل ساسة هذه الفترة المخلصين الذين حاولوا إنقاذ مشروع كانوا يؤمنون به ويتمثل في مجتمع يسوده رغد العيش والخدمات الاجتماعية، على الرغم من عدم اقتناعهم ببعض تفاصيله مثل "العداء للكنيسة".

وتهدي الأديبة الإسبانية الكتاب أيضا إلى جيلها من أحفاد الجمهوريين المتمردين الذين شهد أجدادهم ويلات الحرب، وهو الجيل الذي تقبل بأريحية ماضيه ليواصل السعي نحو المستقبل، على الرغم من أنه يعيش في عصر لم تنجح نخبته السياسية في الاستفادة من الإنجازات التي تحققت في عهد الجمهورية الثانية (1931-1936)، والتي تمكنت من التعامل مع مكتسبات الفترات السابقة، مما جعل المؤرخين ينسبون هذه الإنجازات إليها على سبيل الخطأ، حسب وصف آدا ديل مورال.

وتؤكد آدا ديل مورال أن الجمهورية الثانية فشلت في العديد من الجبهات، ولكن "أربعة عقود من حكم الدكتاتورية الفرنكوية كانت فترة أكثر من كافية لنسيان بعض المكتسبات واعتبار بعض الخسائر نموذجا يحتذى". وتتابع "هذا لا يعني أننا نختلق أساطير، ولكن الحقيقة هي أن الناس لا تقرأ بما فيه الكفاية".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة