شبح الحرب يجثم على تمبكتو   
الجمعة 1434/3/13 هـ - الموافق 25/1/2013 م (آخر تحديث) الساعة 13:34 (مكة المكرمة)، 10:34 (غرينتش)
عدد قليل من سكان تمبكتو ظل في المدينة (الجزيرة نت)

أمين محمد-تمبكتو

تبدو في شوارع وأزقة مدينة تمبكتو، وفي محلاتها التجارية وبين سكانها، آثار وتداعيات الحرب التي بدأتها القوات الفرنسية والمالية قبل نحو أسبوعين لاستعادة الشمال المالي من قبضة المسلحين.

وتشهد المدينة نزوحا كبيرا للسكان خوفا مما قد تسفر عنه الحرب الدائرة. ولم يقتصر النزوح على السكان، فأغلب قادة وعناصر حركة أنصار الدين وحلفائهم من تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي ينزحون عنها أيضا.

وكانت الليلة الماضية الأولى التي تخلو فيها المدينة من مظاهر التسلح بعد مغادرة أرتال السيارات التابعة للمسلحين.

وبدت المدينة في عزلة وفراغ أمني وسياسي، وانعكس ذلك سريعا على مزاج السكان حيث ساد الخوف والقلق بين من تبقى منهم.

معظم المحلات والأسواق مغلقة (الجزيرة نت)

بلا خدمات
ورغم أن تمبكتو عاشت مؤخرا توترات أمنية وغيابا شبه تام لمؤسسات الدولة، فإن الأمر بدا مختلفا هذه المرة. فكل الخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه والاتصالات مقطوعة بالكامل بعد مغادرة أو اختفاء آخر سيارات المسلحين.

ومع غياب مسلحي حركة أنصار الدين، لن تجد من تسأل عن المياه والكهرباء، ولا عن التاريخ المفترض لعودتهما.

ولا يُعلم ما إذا كانت أنصار الدين قد قررت الانسحاب نهائيا، علما بأننا تحدثنا صباح اليوم مع دورية عسكرية للحركة لكنهم رفضوا الحديث عن الوضع الميداني بما في ذلك ما يتعلق بسحب مقاتليهم.

ومقابل نزوح كثيرين، فإن القادمين إلى تمبكتو قليلون ومنهم القادمون الجدد ومن ضمنهم فريق الجزيرة الذي وصل مع غروب الشمس إلى بوابة المدينة الجنوبية المفتوحة في اتجاه مدينة كوندام بوصفه أول فريق إعلامي يدخل المدينة في وضعها الجديد.

وقد تفاجأنا أن كل الفنادق والإقامات كانت مغلقة وبإحكام، وحين تسأل وتبحث عن المسؤولين عنها فلن تجد حتى من يجيبك. بل تتفاجأ بأن أغلب الجيران غادروا وأحكموا إغلاق بيوتهم.

وبعد أن فشلنا في العثور على إقامة، وبدا لنا أن تحركنا داخل المدينة ليلا في السيارة يعرضنا لخطر السلب من عصابات النهب والسلب، أو الاعتداء بدوافع عنصرية، قررنا التوجه قبيل العشاء للجامع الكبير (جامع جنغريبر) الذي يعود لمئات السنين ويعد منارة للعلم، وكانت المفاجأة أنه مغلق هو الآخر، وقد تكرر الأمر مع مسجد سيدي يحيى.

مقر الشرطة الإسلامية وقد بات مغلقا بعد رحيل جل المسلحين (الجزيرة نت)

بين مرحلتين
وكحالنا نحن الذين قطعنا مسافة طويلة انطلاقا من مدينة باسكنو الموريتانية، يصعب على من يدخل تمبكتو في مثل هذه الظروف الحصول على مكان للإقامة، أو على طعام حيث كل المتاجر مغلقة.

وحين كان أنصار الدين وحلفاؤهم من القاعدة يحكمون المدينة، كنا نحن الصحفيين نحتاج تراخيص مسبقة، لكننا دخلناها ليلة أمس دون إذن، ولم نجد عند البوابات من يسألنا عن أسمائنا ومهماتنا، وعن ما إذا كنا نحمل دخانا أو مواد مخدرة بخلاف ما كان سابقا.

وبالنسبة إلى السكان الذين يريدون المغادرة، فوسائل النقل محدودة جدا، التي يعطي ملاكها الأولوية لنقل أقاربهم وذويهم أو حتى بضائعهم خارج المدينة.

هي مرحلة انتقالية توشك أن تدخلها المدينة بين فترتين وحكمين، فالمسلحون يغادرونها وقد يدخلها الجنود الماليون والفرنسيون قريبا.

وفي هذا الجو، يشق أزيز طائرات -يعتقد أنها فرنسية- سكون تمبكتو، وتسطع أضواؤها في سماء المدينة التي ظلت لقرون ولا تزال عامرة بتاريخها وثقافتها ومكتباتها العريقة ومناراتها الشامخة وناسها الطيبين.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة