الأميركيون يرون الخوف في حفنة من الغبار   
الثلاثاء 1422/7/29 هـ - الموافق 16/10/2001 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)

موظفة بمركز التجارة العالمي بنيويورك يتملكها الفزع عقب انهيار برجيه (أرشيف)
بلغ الخوف بالأميركيين درجة كبيرة منذ الهجمات التي وقعت في نيويورك وواشنطن مما جعلهم يتشككون في كل شيء ويعتقدون أنه عمل إرهابي. وقد تصاعدت موجة الخوف هذه بعد الكشف عن حالات لمرض الجمرة الخبيثة المرتبط بالحرب البيولوجية.

ويحدث هذا الآن لآلاف الأميركيين الذين تحولت حياتهم إلى حقل ألغام فيما وصفه البعض بانهيار عصبي قومي في بلد يزهو بأنه أغنى دول العالم وأفضلها حماية لمواطنيها.

فتضطر طائرة للهبوط في مطار ليس في وجهتها لأغرب الأسباب مثل الاشتباه ببطاقة تهنئة وضعت في مظروف به شرائط ملونة، أو الاشتباه بيهوديين يصليان في مؤخرة الطائرة بلغة غريبة. وأثار حاكم ولاية مينيسوتا والمصارع السابق جيسي فينتورا ضجة صحفية لأنه قرر عدم الإعلان عن تحركاته. وسخرت مجلة تايم من نائب الرئيس ديك تشيني الذي يصعب الوصول إليه وتقول إنه أصبح مثل الذين اختفوا في إطار برنامج حماية الشهود.

ويهرع رجال الإطفاء والشرطة من ناطحة سحاب إلى أخرى للتحري عن مسحوق أبيض يثير الذعر وهل هو حامل ميكروب الجمرة الخبيثة أم مجرد سكر مطحون يرش على الحلوى؟ وتشدد ديزني لاند من إجراءات التفتيش لحقائب الجمهور للتأكد من خلوها من الأسلحة أو القنابل. وينطبق على الشعب الأميركي تماما قول الشاعر "تي إس إليوت" في أحد مقاطع قصيدة له "سأريك الخوف في حفنة من الغبار" فهو يعيش هذا الخوف ويغرق فيه.

فبعد هجمات 11 سبتمبر/ أيلول الماضي على مركز التجارة العالمي في نيويورك ووزارة الدفاع في واشنطن وظهور إصابات بالجمرة الخبيثة في فلوريدا ومبني شبكة "إن بي سي" التلفزيونية وصحف في نيويورك، تفشى الخوف من كل ما هو مريب مثل خطاب لا يحمل عنوان المرسل عثر عليه في منضدة بركن معتم في أحد المطاعم.

وتحولت غرف البريد في الشركات والمؤسسات إلى "مناطق ساخنة" يديرها موظفون يرتدون أقنعة واقية وقفازات ويفرزون الرسائل بملاقط. ويتم تمييز الخطابات المشتبه بها بأشرطة لاصقة حمراء. كما ازدهرت مبيعات المطهرات وظهر موقع على الإنترنت لدواء يقاوم الجمرة الخبيثة اسمه سيبرو على غرار حملة تذكر بعقار الفياغرا.

وتنهال المكالمات على مكتب التحقيقات الاتحادي عن رسائل أو طرود مشبوهة يتضح أنها رسائل وطرود عادية. قال أحد ضباط المكتب "وصلنا إلى مرحلة أن سيدة أصيبت بالأنفلونزا واتصلت بطبيبها فأحالها إلينا (مكتب التحقيقات الفدرالي)" لأنهم يقولون إن الأعراض الأولى للإصابة بالجمرة الخبيثة تشبه أعراض الأنفلونزا.

وتم تحويل طائرة تابعة لدلتا إيرلاينز لتهبط بمطار شارلوت في نورث كارولاينا لأن الركاب اشتبهوا في راكبين يصليان بلغة غريبة تبين بعد التحقيق أنهما يهوديان يصليان بالعبرية. وفي كاليفورنيا رفضت امرأة تسلم سجادة لأن شكل الساعي أثار ريبتها. وفي أحد المكاتب بمنهاتن رفض عمال استلام نسخ صحيفة "وول ستريت جورنال" لأنهم لا يعرفون الساعي الذي أحضرها، هذا بالإضافة لخدع يقوم بها البعض لإثارة الهلع.

وأصاب عمال مكتب البريد في بورتلاند بالرعب عند عثورهم على مظروفين يتسرب منهما مسحوق أبيض ظهر أنه خميرة الصودا واتضح أن المرسل امرأة مختلة عقليا.

وقال باري جلاسنر أستاذ الاجتماع بجامعة جنوب كاليفورنيا ومؤلف كتاب ثقافة الخوف في أميركا الحديثة "بينما أختلف مع تسمية الظاهرة بانهيار عصبي قومي فإن الناس يخافون أكثر من اللازم". وأضاف "هناك فرق بين الأمن الجماعي والأمن الفردي، والاحتمال أن يموت شخص في حادث سيارة أكثر من حدوث هجوم بالجمرة الخبيثة، ولكننا لم نعد نستطيع الاستمرار في الادعاء بأننا لن نتعرض للهجوم عبر شواطئنا".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة