"الغاضبون".. الشارع الساخط ضد الهيمنة بإسبانيا   
الأربعاء 1437/8/18 هـ - الموافق 25/5/2016 م (آخر تحديث) الساعة 12:19 (مكة المكرمة)، 9:19 (غرينتش)

"الغاضبون" حركة شعبية إسبانية؛ نشأت في أعقاب مظاهرة يوم 15 مايو/أيار 2011 دعت إليها جماعات مختلفة، وطالبت فيها بديمقراطية تتسم بمزيد من المشاركة الشعبية بعيدا عن هيمنة الحزبين الرئيسيين في إسبانيا على الحياة السياسية، ونادت بإنهاء النفوذ الواسع للمصارف الكبرى والشركات العملاقة، وبفصل حقيقي بين السلطات لتحسين النظام الديمقراطي.

النشأة والتأسيس
جرت أحداث رئيسية على مدار أعوام أدت إلى نشوء حركة "الغاضبون"؛ ففي عام 2008 بدأت تظهر جليا آثار الأزمة الاقتصادية العالمية على المجتمع الإسباني، وامتدت لتشمل الحياة السياسية التي شهدت تجاذبات مستمرة بين الحزبين الرئيسيين في البلاد (الحزب الشعبي والحزب الاشتراكي)، ألقى فيها كل منهما باللوم على الآخر واتهمه بالتسبب في الأزمة.

وفي أكتوبر/تشرين الأول من نفس السنة شهد العالم ما توصف بأنها "ثورة شعبية" في آيسلاندا، أعلن خلالها المواطنون في مظاهراتهم رفضهم لسداد الديون الخارجية، وطالبوا بتحديد مسؤولية الساسة وكبار رجال الأعمال عن وصول بلادهم إلى وضع الأزمة الاقتصادية الخانقة، ودعوا إلى إعادة تأسيس الحياة السياسية وهياكل الحكم انطلاقا من القاعدة الشعبية.

وفي عام 2010 اضطرت الحكومة الاشتراكية في إسبانيا تحت ضغط الأزمة الاقتصادية إلى إجراء سلسلة من الإصلاحات الهيكلية في اقتصاد بلادها، كان من أشدها تأثيرا على المواطنين في ظل الأزمة تعديل قوانين العمل ونظام معاشات التقاعد، مما أدى إلى وقوع إضراب عام في البلاد يوم 29 سبتمبر/أيلول من العام نفسه.

وفي 21 أكتوبر/تشرين الأول 2010 نشر الكاتب والدبلوماسي الفرنسي ستيفان هيسيل كتيبا من 32 صفحة تحت عنوان "اغضبوا"، أكد فيه ضرورة انتفاض الشعوب ضد اللامبالاة، وقيام شبابها بثورة سلمية من أجل حياة أفضل، ولمحاربة الظلم وإزالة العقبات السياسية والاقتصادية التي تحول دون نيل البشر حياة إنسانية كريمة.

وبيعت ملايين النسخ من هذا الكتيب الذي كان مؤلفه مناضلا سابقا ضد القوات النازية التي احتلت فرنسا وأحد الذين صاغوا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948، وترجم إلى العديد من لغات العالم فكان ملهما لكثير من حركات الاحتجاج في جميع أنحاء المعمورة، ومن بينها حركات شعبية إسبانية صغيرة كانت النواة التي تشكلت منها حركة "الغاضبون".

الفكر والأيديولوجيا
تعتقد حركة "الغاضبون" بضرورة الحراك الشعبي لتغيير الأوضاع الاجتماعية والسياسية الراكدة والناتجة عن تجاهل الطبقة السياسية لاهتمامات الشعب الحقيقية.

وترى الحركة أن هذا الحراك يجب أن يؤدي إلى إعادة "تسييس" المواطنين، بمعنى إعادة إثارة اهتمامهم بمجال السياسة لتحسين تسيير شؤون البلاد وإشعار الطبقة السياسية بوجود رقابة شعبية على أدائها، لضمان مصلحة المواطنين والوطن ولوضع حد لامتيازات ونفوذ الطبقات الحاكمة والمتنفذة في المجتمع.

أبرز المحطات
في عام 2010 فتح ناشطان إسبانيان صفحة على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" تحمل عنوان "أنا شاب إسباني يريد أن يكافح من أجل مستقبله".

تكاثر أتباع هذه الصفحة فقاموا بفتح مدونة (بلوغ) تحت عنوان "شباب في تفاعل" بدؤوا منها الدعوة إلى تحركات احتجاجية صغيرة، ثم تواصلوا مع حركات شبابية أخرى، من بينها حركة "انهض" التي تأسست في مستهل عام 2011 وكانت تتقاسم معهم نفس الأفكار والأهداف.

واستلهمت هذه الحركات الشعبية الناشئة نشاطها لتغيير الأوضاع القائمة من حادثة الشاب التونسي محمد البوعزيزي، الذي أحرق نفسه يوم 17 ديسمبر/كانون الأول 2010 في سيدي بوزيد احتجاجا على مصادرة الشرطة عربة كان يبيع عليها الخضار، ففجر ثورة شعبية بتونس أطاحت بالنظام الحاكم، وتلتها أحداث "الربيع العربي" بدول مثل مصر واليمن وليبيا وسوريا.

وفي 20 فبراير/شباط 2011 تأسس "منبر تنسيق الجماعات المؤيدة للحراك الشعبي"، وهو مجموعة على "فيسبوك" ضمت ممثلي تلك الجماعات للدعوة إلى مظاهرة حاشدة وكتابة بيان يتضمن مطالباتها.

وفي 16 مارس/آذار 2011 تحول اسم هذا المنبر إلى "ديمقراطية حقيقية الآن"، وأسس صفحة على الإنترنت تضمنت بيانا بمطالبه ومقترحات سياسية لإصلاح الأوضاع في إسبانيا، ودعوة إلى مظاهرة حاشدة في 15 مايو/أيار 2011.

وقاد نشاط هذه المجموعة الناشئة إلى مظاهرة مبكرة للشباب في 30 مارس/آذار 2011 مصحوبة بإضراب عام للطلاب، شارك فيه آلاف الشبان من جميع أنحاء إسبانيا تظاهروا احتجاجا على ارتفاع معدلات البطالة في البلاد وسوء أحوال العمال وعقود العمل، وخفض مخصصات التعليم في الموازنة العامة للبلاد ورفع الرسوم الدراسية.

وقام منبر "شباب بلا مستقبل" أيضا -الذي نشأ في أوساط الجامعات- بمظاهرة أخرى في مدريد يوم 7 أبريل/نيسان ضد الأزمة الاقتصادية وهيمنة الحزبين الشعبي والاشتراكي على الحياة السياسية في البلاد.

وفي 15 مايو/أيار 2011 قامت مظاهرات حاشدة في أكثر من خمسين مدينة إسبانية ضد الطبقة السياسية مستلهمة في ذلك حراك دول "الربيع العربي"، لكن قوات الأمن في العاصمة مدريد قامت فجر اليوم الموالي (16 مايو/أيار) بإجلاء المتظاهرين من ساحة "بوابة الشمس" الواقعة وسط المدينة واعتقلت 19 شخصا.

عاد عشرة آلاف شخص للتظاهر يوم 17 مايو/أيار في نفس الساحة، وأقاموا فيها مخيما شكل الصورة الرئيسية التي عُرفت بها حركة "الغاضبون" في مختلف أنحاء العالم.

وفي الأيام التالية تكررت عملية إقامة مخيمات للمحتجين في الساحات الرئيسية بالمدن الإسبانية، دعا "الغاضبون" خلالها -عبر مواقع الإنترنت- إلى عدم التصويت للأحزاب الرئيسية في انتخابات يوم 5 يونيو/حزيران 2011، واستمرت مخيمات "الغاضبون" في العديد من المدن الرئيسية -خاصة مدريد وبرشلونة- إلى ما بعد تلك الانتخابات.

دعا "الغاضبون" إلى مظاهرات حاشدة في 19 يونيو/حزيران، شارك فيها مئات الآلاف في أكثر من ستين مدينة إسبانية.

وفي أعقاب تلك المظاهرات بدأ تفكيك المخيمات تدريجيا، وتحول هذا الحراك الضخم إلى جمعيات شعبية في أحياء المدن وفي البلدات، وتكونت جماعات تخصصت كل منها في تنظيم الأنشطة الاحتجاجية للمطالبة بإصلاح جانب معين من الجوانب المهنية والاجتماعية في إسبانيا، لمواصلة النشاط الاحتجاجي لحركة "الغاضبون".

ونشأت من رحم تلك الحركة أحزاب سياسية جديدة اختلف وزنها على الساحة السياسية، مثل "حزب إكس" عام 2013 الذي لم يحقق نجاحات انتخابية، وحزب "بوديموس" الذي فاز -بعد ثلاثة أشهر فقط من تأسيسه- بخمسة مقاعد في انتخابات البرلمان الأوروبي (مايو/أيار 2014) محققا مفاجأة مذهلة، ثم حل ثالثا في الانتخابات العامة الإسبانية (ديسمبر/كانون الأول 2015).

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة