الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني   
الأحد 29/4/1437 هـ - الموافق 7/2/2016 م (آخر تحديث) الساعة 10:24 (مكة المكرمة)، 7:24 (غرينتش)

حزب سياسي يساري إسباني، وصف نفسه على مدار مائة عام منذ تأسيسه بأنه "حزب الطبقة العاملة واشتراكي وماركسي"، لكنه تخلى بعد مؤتمر عام استثنائي عقده عام 1997 عن الماركسية مبدأ أيديولوجيًّا. وهو أحد أكبر حزبين سياسيين في إسبانيا وصاحب أطول مدة حكم فيها بعد انتهاء عهد الدكتاتورية وبدء فترة الحكم الدستوري في البلاد عام 1978.

النشأة والتأسيس
تأسس الحزب الاشتراكي سرا في مدريد تحت قيادة بابلو إغلسياس يوم 2 مايو/أيار 1879 حول نواة من المثقفين ومن عمال كان أغلبهم من العاملين في تنضيد الحروف بالمطابع، ومنهم إغلسياس ذاته.

وأقر اجتماع ضم أربعين شخصا يوم 20 يوليو/تموز من العام نفسه أول برنامج للحزب، وبهذا كان الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني واحدا من أوائل الأحزاب الاشتراكية التي تأسست في أوروبا للتعبير عن هموم الطبقة العمالية الجديدة التي ولدت من رحم الثورة الصناعية، وللدفاع عن مصالح أفرادها.

سعى الحزب في بداياته لتجميع عمال قطاع الصناعة تحت راية الأيديولوجية الماركسية، ولكنه تقدم في ذلك ببطء شديد.

وعقد الحزب الاشتراكي أول مؤتمر عام له في برشلونة عام 1889، لكنه لم يحصل على تمثيل برلماني حتى العام 1910، عندما أصبح بابلو إغلسياس عضوا في البرلمان عن "التحالف الجمهوري الاشتراكي" الذي نشأ بين "الحزب الجمهوري" و"الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني" في عهد الملك ألفونسو الثالث عشر لخوض الانتخابات العامة. وفي 1918 أصبح للاشتراكيين ستة نواب بالبرلمان.

ومع وجوده في هذه الهيئة التشريعية ازدادت أهمية الحزب الاشتراكي في المجتمع الإسباني بسبب نشاطه البرلماني من جهة، وبسبب قوة نفوذ "الاتحاد العام للعمال"، النقابة الاشتراكية التي أسسها بابلو إغلسياس في برشلونة عام 1888، والتي كانت لها علاقات وطيدة بالحزب من جهة أخرى.

ورغم أن مكافحة الإكليريكية (تدخل رجال الدين في السياسة) لم تكن من بين أهداف زعماء الحركة العمالية والاشتراكية الإسبانية، فإن تحالف الحزب الاشتراكي مع الجمهوريين الرافضين للإكليريكية وتنامي نفوذ النقابات الكاثوليكية -الملقبة بـ"الصفراء" والتي كان يتحكم فيها رجال الأعمال- أديا في النهاية إلى تبني الاشتراكيين موقفا مناهضا للإكليريكية في برنامج وضعه الحزب عام 1918 ودعا فيه إلى إلغاء مخصصات الكنيسة من الموازنة العامة ومصادرة ممتلكاتها، بالإضافة إلى "مجانية وعلمانية" التعليم.

وفي 1919 ترك بابلو إغلسياس تدريجيا مسؤولياته السياسية بسبب المرض، وتوفي عام 1925، ولكن التحالف الجمهوري الاشتراكي استمر.

وتأسست "الجمهورية الثانية" في إسبانيا عام 1931، وكان الحزب الاشتراكي وقتها أحد أكثر الأحزاب تنظيما وانتشارا في البلاد، وأصبح للاشتراكيين ثلاثة وزراء في حكومة الزعيم الجمهوري نيثيتو ألكالا ثامورا.

وفي انتخابات 1933 عانى اليسار الجمهوري من تراجع حاد أمام اتحاد قوى اليمين الإسبانية، وفي العامين التاليين تطورت المواجهات الأيديولوجية وشهدت تطرفا وانقسامات حتى داخل المعسكر الواحد، ولم يسلم منها الحزب الاشتراكي فانقسم إلى تيار وسطي ديمقراطي وآخر يؤيد القيام بثورة عمالية على النمط السوفياتي.

وجاء التمرد العسكري يوم 18 يوليو/تموز 1936 على ما اعتبرها "فوضى الحكم الجمهوري"، وأدى إلى قيام الحرب الأهلية الإسبانية (1936-1939)، وخلالها كان الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني إحدى دعائم الحكومتين الجمهوريتين المتعاقبتين وقتها.

وخسر الجمهوريون الحرب الأهلية، وقَمَعَ نظام الجنرال فرانكو الدكتاتوري المنتصر الطرف المهزوم، ومنهم الاشتراكيون الذين تعرضوا للسجن أو الاغتيال أو اضطروا للهرب إلى المنفى، وتم حظر الحزب الاشتراكي وكافة الأحزاب والمنظمات الديمقراطية، وأصبح الحزب الاشتراكي بلا قيادة، ولكن بفضل التزام كثير من أعضائه البسطاء استمر نشاطه سرا في إسبانيا وخارجها، وبدأ في عقد مؤتمرات سرية خارج البلاد في أواخر عهد الدكتاتورية.

وفي المؤتمر السادس والعشرين للحزب الاشتراكي (الثالث عشر في المنفى) الذي انعقد بمدينة سوريسنيس الفرنسية عام 1974، تخلى الزعيم التاريخي رودولفو يوبيس عن منصب الأمين العام للحزب لصالح الزعيم الشاب فيليبي غونثالث.

الفكر والأيديولوجيا
كانت بدايات الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني يسارية ماركسية، ولكنه انتقل تدريجيا إلى يسار الوسط. وتطورت أيديولوجية الحزب بمرور سنين عمره الطويل، فبعد أن كان يؤيد في البداية مبدأ مركزية الحكم، انتقل إلى موقف يؤيد الفدرالية في حكم أقاليم الدولة ويؤيد اندماج إسبانيا في الاتحاد الأوروبي.

والحزب الاشتراكي ذو ميول جمهورية، ولكنه يؤيد النظام الملكي البرلماني في إسبانيا منذ انتهاء عهد الدكتاتورية والانتقال إلى الديمقراطية. واقتصاديا تخلى الحزب في 1979 نهائيا عن مبادئه الماركسية الأولى واتبع سياسات الليبرالية الاشتراكية ككثير من أحزاب تيار الاشتراكية الديمقراطية الأوروبية، واجتماعيا يدعو لتطبيق سياسات العدالة الاجتماعية وعلمانية الدولة والتعليم.

أبرز المحطات
بعد وفاة الجنرال فرانكو في نوفمبر/تشرين الثاني 1975 وعودة النظام الملكي البرلماني والديمقراطية إلى إسبانيا، ألغي قرار حظر الأحزاب الصادر عن نظام فرانكو. وفي 1977 أجريت أول انتخابات ديمقراطية بعد نهاية عهد الدكتاتورية، وخاضها فيليبي غونثالث زعيما للحزب الاشتراكي وأصبح نائبا بالبرلمان وزعيم أكبر أحزاب المعارضة البرلمانية، وكرر الشيء نفسه في انتخابات 1979 مع زيادة عدد مقاعد حزبه البرلمانية ليصبح بديلا ممكنا في الحكم.

وسعى غونثالث إلى تخلي الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني عن مبادئه الماركسية والتطور باتجاه الاشتراكية الديمقراطية الإصلاحية، وفشل في تحقيق ذلك في مؤتمر الحزب المنعقد في مايو/أيار 1979 أمام ضغوط جناح أقصى اليسار بالحزب، ولكنه ما لبث أن فرض زعامته وتمكن بفضل كاريزميته وموهبته في الإقناع من تحقيق ما أراد في مؤتمر استثنائي عقده الحزب في سبتمبر/أيلول من العام نفسه.

وفي انتخابات 1982 فاز الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني بأول أغلبية مطلقة في تاريخ الديمقراطية الإسبانية الحديثة، وكان إنجازا يمثل المرة الأولى التي يتمكن فيها حزب يساري من تشكيل حكومة منذ عام 1936 (تاريخ بدء الحرب الأهلية الإسبانية). وكان ذلك بمثابة إعلان انتهاء المرحلة الانتقالية نحو الديمقراطية وعودة الحياة السياسية إلى طبيعتها في إسبانيا.

وبدأ الحزب الاشتراكي عملية إصلاح شاملة للبلاد، فعلى الصعيد الاقتصادي اختار الاشتراكيون تطبيق براغماتية ليبرالية وقاموا بعملية إعادة هيكلة للقطاع الصناعي ووضعوا هدف خفض معدل التضخم كأولوية قصوى، ولكنهم لم يهملوا جانب الرعاية الاجتماعية وتوسيع نطاقها لتشمل كافة قطاعات المجتمع، كما أصلحوا الجيش وأبعدوه عن السياسة وحولوه إلى جيش محترف مهمته الدفاع عن الوطن. وأدت هذه الإنجازات لفوز الحزب الاشتراكي بالأغلبية المطلقة مرة أخرى في انتخابات 1986.

وتحت قيادة الحزب الاشتراكي انضمت إسبانيا في 1986 إلى السوق الأوروبية المشتركة، ولكن سياسات الاشتراكيين "الليبرالية" زادت تدريجيا من استياء النقابات، التي نظمت أول إضراب عام ضد الاشتراكيين في 1988.

ونظم الحزب الاشتراكي في 1986 استفتاءً شعبيا على استمرار إسبانيا في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، ورغم أن الاشتراكيين كانوا تاريخيا ضد عضوية إسبانيا بهذه المنظمة، فإن الحزب الاشتراكي طلب من المواطنين التصويت في الاستفتاء لصالح الاستمرار، ومن الطرائف أن خابيير سولانا، أحد زعماء الاشتراكيين المعروفين بمعارضتهم للناتو، تحول بعد سنوات من نجاح الاستفتاء إلى الأمين العام لتلك المنظمة الدولية.

وفي 1989 فاز الحزب الاشتراكي في الانتخابات، ولكن بفارق مقعد واحد أقل من الأغلبية المطلقة واستمر في الحكم، ثم عاد للفوز في 1993 مع استمرار تراجع شعبيته بسبب بدء ظهور فضائح فساد والوضع الاقتصادي السيئ والانقسام داخل الحزب بسبب سياسات خصخصة بعض الشركات العامة التي اتبعتها حكومته لمحاولة علاج الوضع الاقتصادي.

وفي 1996 خسر الحزب الاشتراكي الانتخابات بفارق ضئيل يزيد قليلا عن 1% أمام غريمه السياسي الأول: "الحزب الشعبي" اليميني، فقرر فيليبي غونثالث الانسحاب من مناصب المسؤولية في أجهزة الحكم. وفي 1997 استقال من منصب الأمين العام للحزب، فسقط الحزب في أزمة زعامة عميقة.

واختار الحزب الاشتراكي خواكين ألمونيا أمينا عاما ومرشحا لانتخابات عام 2000، إلا أن النتائج الاقتصادية الجيدة التي حققتها حكومة الحزب الشعبي وانقسامات الاشتراكيين حول زعامة الحزب أسفرت عن فوز الحزب الشعبي بالأغلبية المطلقة، فاستقال خواكين ألمونيا من منصبه.

وفي يونيو/حزيران 2000 انتخب الحزب الاشتراكي في مؤتمره العام الخامس والثلاثين خوسيه لويس ثاباتيرو أمينا عاما، وتحت زعامته بدأ الاشتراكيون في استعادة شعبيتهم تدريجيا وفازوا في الانتخابات البلدية والإقليمية عام 2003، ثم فازوا بالانتخابات العامة التي جرت بعد أيام من وقوع اعتداءات 11 مارس/آذار 2004 في مدريد، والتي نسبها كثير من المواطنين لمشاركة إسبانيا في تحالف الحرب على العراق (2003) الذي أيدته حكومة الحزب الشعبي وتظاهر ضده المواطنون في شوارع البلاد.

وفي 2008 عاد الحزب الاشتراكي للفوز في الانتخابات العامة تحت قيادة ثاباتيرو، بيد أن تفجر الأزمة الاقتصادية العالمية في عام 2008 أدى إلى تدهور أوضاع إسبانيا الاقتصادية ولم تتمكن الحكومة الاشتراكية من معالجتها، وتفاقمت معدلات البطالة وتدهورت شعبية الحكومة، ففاز الحزب الشعبي في الانتخابات المبكرة التي أجريت في نوفمبر/تشرين الثاني 2011 بالأغلبية المطلقة وعاد إلى الحكم.

وفي المؤتمر العام الثامن والثلاثين للحزب الاشتراكي في 2012 اختير ألفريدو بيريث روبالكابا أمينا عاما للحزب، وكان بيريث روبالكابا قد خاض انتخابات 2011 مرشحا للحزب في الانتخابات العامة خلفا لثاباتيرو وخسرها، ثم خسر الحزب تحت قيادته انتخابات اختيار ممثلي إسبانيا في البرلمان الأوروبي عام 2014، فأعلن بيريث روبالكابا نيته الاستقالة من منصبه.

وأجريت انتخابات أولية داخل الحزب في يوليو/تموز 2014 بين ثلاثة مرشحين وفاز بها بيدرو سانشيز وأصبح الأمين العام الجديد للحزب وخاض الانتخابات العامة في ديسمبر/كانون الأول 2015، ولكنه لم يفلح في هزيمة الحزب الشعبي الذي تراجع دعم المواطنين له بسبب سياسات التقشف الاقتصادي التي اتبعها وفضائح فساد لاحقته، وحل الحزب الاشتراكي في المركز الثاني محققا أسوأ نتيجة في عدد مقاعده البرلمانية (90 مقعدا) منذ بداية عهد الديمقراطية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة