السياسة الإنفاقية   
الأربعاء 15/6/1437 هـ - الموافق 23/3/2016 م (آخر تحديث) الساعة 15:52 (مكة المكرمة)، 12:52 (غرينتش)

"السياسة الإنفاقية" مصطلح اقتصادي يعني جملة التدابير والإجراءات التي تتخذها الحكومات للتأثير في الإيرادات والنفقات العمومية بتغيير حجمهما أو تركيبتهما، سعيا لتحقيق مجموعة من الأهداف التي تحددها التوجهات العامة للسياسة الحكومية من جهة، والظرفية الاقتصادية من جهة أخرى.

الأهداف
من بين الأهداف التي يمكن للحكومات أن ترسمها للسياسة الإنفاقية ما يلي:

- تحفيز النمو والتشغيل الكامل للعمالة، عبر دعم الطلب الكلي للاقتصاد برفع حجم الإنفاق الحكومي الاستهلاكي والاستثماري.

- تثبيت الاقتصاد الكلي في حال تعرضه لصدمات مثل وقوع أزمة مالية أو تراجع حجم الصادرات. وتتدخل الحكومة لضمان استقرار الطلب الكلي، ومنع انهياره باستخدام المثبتات الآلية التي تعمل على عكس الدورة الاقتصادية، مثل صرف تعويضات عن فقدان العمل.

- إعادة توزيع الثروة للتقليل من حدة التفاوت بين المواطنين، وتعمل الحكومة في هذا السياق على رفع معدلات الضرائب المستحَقة على الأغنياء أو استحداث ضرائب جديدة.

- دعم بعض القطاعات الإنتاجية لتوطين صناعة محلية وحمايتها من المنافسة الأجنبية، بدلا من الاضطرار إلى الاستيراد من الخارج واستنزاف الاحتياطي النقدي للبلد.

ـ تعزيز القدرة التنافسية للبلد لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية، من خلال تجهيز المناطق الصناعية وتأهيل اليد العاملة المحلية، وتوفير حوافز وتسهيلات للمستثمرين الأجانب، مثل تخفيض الضرائب المفروضة على الشركات الأجنبية.

وليس من الضروري أن تلتزم الحكومة بالسعي وراء هدف واحد دون الأهداف الأخرى، إذ من الممكن أن تؤلف بين مجموعة من الأهداف، وتختار التدابير التي تعينها على بلوغ كل هدف على حدة.

ومن الخطورة بمكان الجمع بين مستويات مرتفعة من الإنفاق الحكومي مع انخفاض للإيرادات. إلا أن تكون قدرة الاقتصاد على تمويل نفسه بالاقتراض استثنائية، كحال الاقتصاد الأميركي الذي يملك عملة نقدية دولية مقبولة في العالم بأسره (الدولار)، ويكفيه أن يطلب من الاحتياطي الفدرالي شراء السندات الحكومية لتمويل عجزه.

الأدوات
 تدير الحكومة سياستها الإنفاقية بما يحقق أهدافها عبر الإيرادات والنفقات:

- الإيرادات: وتتشكل من الضرائب المباشرة مثل الضريبة على الدخل والضريبة على الشركات، وغير المباشرة مثل الضريبة على القيمة المضافة، وباقي الرسوم التي تفرضها كالرسوم الجمركية على السلع المستوردة. والعائدات التي تحصلها الدولة من خلال الشركات الحكومية والامتيازات التي تمنحها مثل حق استغلال منجم مثلا وعائدات الخصخصة.

ويمكن للحكومة أن تلجأ إلى الاستدانة محليا أو من الخارج في حالة تسجيل عجز في الميزانية أو في حالة عجز الحساب الجاري وحاجة الدولة بالتالي إلى العملات الأجنبية لتسديد فاتورة وارداتها

- النفقات: وتنقسم إلى قسمين هما: النفقات الضرورية لاستمرار أجهزة الدولة في أداء مهامها الإدارية وأدوارها الاجتماعية مثل رواتب الموظفين، ونفقات الاستثمار أو التجهيز مثل بناء الطريق أو المدارس أو المستشفيات. وتضاف إليهما المساعدات ذات الصبغة الاجتماعية التي تقدمها الحكومة للفقراء عموما، والمساعدات المقدمة للمستثمرين بغرض تحفيز الاستثمار والتشغيل.

أنصار ومعارضون
إذا كان الكينزيون (المنتسبون إلى الاقتصادي البريطاني جون مينارد كينز) من أشد المناصرين للسياسة الإنفاقية التوسعية والداعين إلى توظيفها، فإن أنصار المذهب النقدي ومدرسة شيكاغو في الاقتصاد (ورائدها الاقتصادي الأميركي ميلتون فريدمان) من أشد المعارضين للتوسع في الإنفاق الحكومي.

ويرى المعارضون لزيادة الإنفاق الحكومي أن مراكمة الديون الحكومية بسبب تمويل العجز الذي تعرفه ميزانياتها السنة تلو الأخرى، يؤدي في النهاية إلى التضخم دون النجاح في تحفيز النمو، حيث يشهد النشاط الاقتصادي ركودا نظرا للصعوبات التي يواجهها القطاع الخاص في تمويل مشاريعه، وارتفاع أسعار الفائدة بسبب استئثار الحكومة بالموارد المالية المتاحة للاقتصاد.

وبعد ثمانينيات القرن العشرين فقدت السياسة الإنفاقية الكثير من جاذبيتها في الأوساط السياسية، نظرا لاندلاع أزمة الدين التي انطلقت من المكسيك عام 1982 وعمت معظم البلدان النامية، مما جعلها مضطرة للخضوع لإملاءات المؤسسات المالية الدولية وفي مقدمتها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وانتهجت سياسات تقويم هيكلي وانفتاح ذات كلفة اجتماعية باهظة.

أما في أوروبا وباقي الاقتصادات الغربية باستثناء الولايات المتحدة، فإن الخوف من شبح التضخم جعلها تلزم نفسها بالانضباط الإنفاقي، فوضعت منطقة اليورو -على سبيل المثال- قيودا على الإنفاق الحكومي بحيث لا يتعدى العجز في الميزانية 3.5% كحد أقصى، وجعلت ذلك أحد الشروط اللازمة للانضمام إليها.

وقد سعت بلدان أخرى كثيرة سعي منطقة اليورو، في محاولة لطمأنة الأسواق المالية الدولية وإثبات حسن نواياها بشأن ضبط نفسها إزاء اللجوء إلى الاستدانة، والإبقاء على حجم مديونيتها عند مستويات معقولة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة