"الإغراق".. أداة لتحطيم عظام المنافسين   
الأحد 1437/2/11 هـ - الموافق 22/11/2015 م (آخر تحديث) الساعة 12:17 (مكة المكرمة)، 9:17 (غرينتش)

"الإغراق" هو إدخال سلعة منتجة في دولة معينة إلى سوق دولة أخرى بسعر يقل عن قيمتها العادية. والقيمة العادية للسلعة هي سعرها في سوق الدولة المنتجة لها أو كلفة إنتاجها فيها.

والإغراق بهذا المعنى ممارسة تجارية غير مشروعة ترمي إلى إضعاف المقدرة التنافسية للسلع المماثلة المنتجة في الدولة المستوردة، ويؤدي بالتالي إلى تقليص صناعتها، بل إلى توقفها بصورة نهائية.

ومن الخطأ الشائع وصف كل الواردات ذات التكلفة المنخفضة بأنها "واردات إغراقية"، ولكن وفق معايير الاتفاقية العامة للتعرفة الجمركية والتجارة (الغات) تعتبر السلعة إغراقية إذا تحقق فيها أي من الشرطين الآتيين: إذا قل سعر تصدير السلعة عن سعرها في السوق المحلية للبلد المُصدِّر، وإذا قل سعرها في الأسواق الخارجية عن تكلفة إنتاجها.

ويعرّف الإغراق بأنه حالة من التمييز في تسعير منتج ما عندما يباع الأخير في سوق بلد مستورد بسعر يقل عن سعر بيعه في سوق البلد المصدر، وقد يصل سعر المبيع في الدولة المستوردة إلى مستويات منخفضة جدا أو إلى ما دون التكلفة، وذلك بشكل مقصود بهدف إزالة منافسين يصنعون منتجات شبيهة أو يؤخر قيام صناعة بسبب وجود واردات من السلعة بأسعار إغراق.

وفي أغلب الحالات يجب أن تتخذ سلسلة طويلة من التحليلات المعقدة لمعرفة السعر المناسب في سوق البلد المُصدر وهو ما يعرف بالقيمة العادية، ومعرفة السعر المناسب في سوق البلد المستورد وهو ما يعرف بسعر التصدير، وتحديد أسلوب مقارنة مناسب بين السعرين.

مثال للإغراق
ولتبسيط الموضوع نقدم المثال التالي: إذا صدرت الشركة (س) في الدولة (أ) ألف طن من المنتج (د) إلى الدولة (ب) بقيمة إجمالية تبلغ 150 ألف دولار، فهذا يعني أن سعر تصدير المنتج (د) للدولة (ب) هو 150 دولار للطن الواحد، ثم اتضح بعد التحريات أن الشركة (س) تبيع الطن الواحد من هذا المنتج في السوق المحلية للدولة (أ) بمئتي دولار للطن، فهذا يعني أن مقدار الإغراق هو خمسون دولار، أي القيمة العادية للمنتج (200 دولار) ناقص سعر التصدير (150 دولارا).

ويقع الإغراق عادة من لدن دول تكون قيمة عملاتها أقل من قيمة عملة الدول المستوردة مقارنة بأسعار العملات الدولية، مثل العملتين الصينية والتركية. ونادرا ما يحدث الإغراق من دول تتمتع عملتها بسعر تحويل مرتفع أمام العملات الأجنبية، ومن المعروف أن إحدى الوسائل التي تتبعها الدول لتنمية الصادرات هي تخفيض قيمة العملة المحلية مقابل العملات الدولية.

ووفق اتفاقية "الغات"، فإن عناصر الإغراق هي: أولا الفعل غير المشروع (أي واقعة الإغراق)، وثانيا حدوث الضرر (أي نطاق المتسع) وهنا تم التعرض لعنصرين هما زيادة حجم الواردات والأثر اللاحق للواردات على المنتجين المحليين، وثالث العناصر هو توافر علاقة سببية بين الإغراق والضرر.

أنواع الإغراق
وينقسم الإغراق إلى ثلاثة أنواع: أولها الإغراق الخارجي ويقع في حالة ما إذا قامت دولة بإغراق أسواق دولة أخرى بتصدير سلعة إليها بأسعار تقل عن تكلفة إنتاجها، وثانيا الإغراق الداخلي ويقع في حال قيام شركة بطرح سلعة في السوق المحلية بسعر يقل عن تكاليف إنتاجها لإخراج المنافسين المحليين، وفي هذه الحالة تتبع الشركة خطة "دع السوق يتنفس صناعيا وحطم عظام المنافسين حتى يستسلموا ويموتوا، ثم نبيع السلعة بالسعر الذي نحدده".

وهنا نوع ثالث هو الإغراق المؤقت، وهو الإغراق الذي تلجأ إليه الدول عندما تمرّ بظروف اقتصادية غير مواتية، مثل حالات الكساد أو الأزمات الاقتصادية.

ويلاحظ أن أكثر الدول التي فُرضت على صادراتها رسوم إغراق هي الصين، كما أن أكثر الدول التي تتخذ تدابير إغراق هي الولايات المتحدة الأميركية، خاصة ضد الصين واليابان وكوريا والمكسيك.

وقد رفعت أمام منظمة التجارة العالمية بين يناير/كانون الثاني 1995 وفبراير/شباط 2015 نحو 490 شكوى تتعلق بقضايا الإغراق ودعم الدول للمصدرين، أي بمعدل دعوى واحدة كل أسبوعين. وخلال هذه الفترة لم تقدم أية شكوى من قبل دولة عربية.

أنظمة وطنية
وعلى المستوى الوطني، شرعت جميع الدول العربية الأعضاء في منظمة التجارة أنظمة خاصة لمعالجة الإغراق والدعم، فبدلا من تقديم شكوى إلى منظمة التجارة تطبق هذه الأنظمة إجراءات تفضي إلى زيادة الرسوم الجمركية على السلع محل الإغراق أو الدعم. وبالتالي ترتفع أسعار بيعها في سوق الدولة المستوردة، وينتهي مفعول الإغراق أو الدعم فتعود المنافسة التجارية إلى وضعها المشروع.

وهذه التطبيقات القانونية تنسجم مع اتفاقات منظمة التجارة العالمية وفق شروط معينة. ويتعين ألا يزيد مبلغ رسوم المكافحة على مقدار الإغراق أو الدعم الذي يساوي القيمة العادية للسلع بعد طرح سعر التصدير.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة