أبو القطارات   
الثلاثاء 24/9/1437 هـ - الموافق 28/6/2016 م (آخر تحديث) الساعة 16:48 (مكة المكرمة)، 13:48 (غرينتش)

تبلغ سرعة القطار فائق السرعة نحو 318 كيلومترا في الساعة، وتتباين السرعات بحسب الخصائص التقنية لكل قطار، ويسير على شبكة سكك حديدية خاصة به، تصنع وفق معايير هندسية وتقنية تلائم سرعته المرتفعة مقارنة بالقطارات العادية، وظهر هذا النوع من القطارات أول مرة في اليابان سنة 1964.

التاريخ
في أواسط خمسينيات القرن العشرين، كانت اليابان تخطو خطواتها الأولى على طريق نهضتها المعاصرة، بعد أن نفضت عنها غبار الهزيمة والدمار الناتج عن الحرب العالمية الثانية.

ومع ازدهار النشاط التجاري واتساع حجم الطبقة المتوسطة، وما تولد من حاجة متنامية لوسائل نقل فعالة، أطلقت السلطات مشاريع بحثية لابتكار وسائل مواصلات حديثة تستجيب للواقع الجديد، وهكذا أثمرت تلك المشاريع مخططا لتطوير وعصرنة خط السكك الحديدية الرابط بين طوكيو ولوساكا، الذي كان يتحمل الجزء الأكبر من حركة النقل عبر القطارات.

انطلق المشرفون على المشروع من فكرة بسيطة، وهي الرهان على السرعة كعامل أساسي يمكن عبره ربح الوقت، وزيادة وتيرة عمل القطارات المنطلقة في الاتجاهين، والاستجابة بذلك لتزايد أعداد المسافرين وشحنات البضائع.

"أبو القطارات"
انتهى مشروع السلطات اليابانية إلى بناء أول قطار فائق السرعة عام 1958، أُطلق عليه اسم "شينكانسَن"، وتعني "الخط السريع الجديد"، وبحلول عام 1964 بدأت القطارات فائقة السرعة اليابانية في السير على خط طوكيو-لوساكا بمناسبة استضافة اليابان الألعاب الأولمبية، وبلغت سرعة هذه القطارات 256 كيلومترا في الساعة، مشكلة طفرة نوعية في عالم المواصلات البرية والنقل عبر القطارات.

وفي الآونة نفسها، وصلت دراسات أجريت بمراكز البحث اليابانية إلى مراحل متقدمة في تطوير سلسلة عربات شبيهة بالقطار، لكنها لا تسير على السكك التقليدية بل على مجال مغناطيسي مغلق، مما يخولها السباحة في الهواء دون احتكاك بالسكة.

لكن هذه الوسيلة بدت غير ناجعة لمحدودية حمولتها، والتعقيدات التقنية المتعلقة بمد خطوطها، وأيضا لكلفتها المالية الباهظة، لكن اليابان أحيت المشروع من جديد، وأنتجت جيلا جديدا من المشروع حطم الرقم القياسي العالمي عام 2015 بسرعة بلغت 603 كيلومترات في الساعة.

تميزت قطارات شينكانسَن بانسيابيتها الكبيرة وفخامتها، وبالراحة التي توفر للركاب، وإن كانت اهتزازاتها تبدو محسوسة نظرا لشدة السرعة وما يترتب عليها من ضغط، وهذا الإشكال سيظل يطارد القطارات فائقة السرعة.

video

النسخة الأوروبية
مع تدشين الخطوط فائقة السرعة في اليابان عام 1964، كانت فرنسا تعيش سنتها الثانية من السلام بعد 23 سنة من الحرب بدأت بالحرب العالمية الثانية ثم حرب الهند الصينية فحرب الجزائر التي انتهت صيف 1962.

وكان الاقتصاد الفرنسي ينتعش بشكلٍ متسارع طارحا تحديات جديدة تهم في الأساس النقل، وكان تحدي ربط الأقاليم الفرنسية في ما بينها جديا بالنسبة للسلطات، كما كانت شركة السكك الحديدية الوطنية تُسابق الزمن لتطوير وسائل نقل حديدية قادرة على الصمود أمام منافسة النقل الجوي والسيارة.

وفي عام 1966، تعاقدت شركة السكك الحديدية مع شركة "آلستوم" لإنجاز أول قطار فائق السرعة. استفادت آلستوم كثيرا -كما يُصرح بذلك مسؤولوها- من التجربة اليابانية، كما أجرت بحوثا معمقة على القطارات الخفيفة التي جُربت في 1967 وشرعت في رحلاتها التجارية سنة 1971.

وفي نهاية المطاف تمكنت آلستوم من تصميم القطار فائق السرعة (تي جي في)، وتم تجريبه في 1971، وجرت أولى رحلاته التجارية في 1981، وبلغت سرعته 318 كيلومترا في الساعة، محطما بذلك الرقم القياسي العالمي كأسرع قطار سككي.

وفي عام 2016، أعلن المغرب أنه أنجز 78% من أشغال مشروع القطار فائق السرعة الذي سيربط بين الدار البيضاء -العاصمة الاقتصادية للمملكة- ومدينة طنجة، وتكون بذلك أول دولة عربية توفر خدمة القطار السريع الذي ستتم إقامته على مسافة تصل إلى مئتي كيلومتر، بسرعة 320 كيلومترا في الساعة.

وبحسب المسؤولين المغاربة، فسيتم بدء تسويق الخط في نهاية 2017، أو في النصف الأول من سنة 2018، بتعريفة مدروسة ستكون في متناول مستخدمي شبكة النقل السككي.

معطيات تقنية
تسير القطارات فائقة السرعة بالطاقة الكهربائية التي تتزود بها عبر أسلاك الضغط العالي التي تحمل تيارا كهربائيا مترددا يبلغ فرق جهده ثلاثة آلاف فولت، وبضغط كهربائي تحدده المعايير السائدة في أوروبا بـ 15 كيلوفولتا، وتردد قدره 16 كيلوهرتزا في المتوسط، وفي اليابان وأرجاء واسعة من العالم يبلغ الضغط الكهربائي 25 كيلوفولتا، والتردد بين خمسين وستين هرتزا.

تُستشعر الاهتزازات بقوة على متن القطار فائق السرعة خاصة عند المنعرجات، وتبدو الظاهرة أكثر وضوحا إلى حد الإزعاج أحيانا عندما تتجاوز السرعة ثلاثمئة كيلومتر في الساعة، وتعمل الشركات المالكة للقطارات مع المصنعين باستمرار على البحث عن تقنيات لتخفيف الضغط وأيضا للحد من الضجيج الناجم عن السرعة واحتكاك العجلات بالخط السككي.

تتباين سرعات القطارات فائقة السرعة بحسب الخصائص التقنية لكل قطار، وتتراوح السرعات -عامة- بين 250 و318 كيلومترا في الساعة، وبينما حققت فرنسا عام 2007 رقما قياسيا بلغ 574.8 كيلومترا في الساعة، فإن سرعة القطار الياباني "المغناطيسي" بلغت 603 كيلومترات في الساعة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة