اعتكاف مختلف لمصلين بالمسجد الأقصى   
الخميس 1439/10/1 هـ - الموافق 14/6/2018 م (آخر تحديث) الساعة 1:04 (مكة المكرمة)، 22:04 (غرينتش)
جمان أبوعرفة-القدس

بينما كان المسجد الأقصى يزدحم بمئات الآلاف من المصلين، كانت منطقة باب الرحمة شرق المسجد تشهد إعمارا وتواجدا لا مثيل له منذ سنوات طويلة.

على مساحة أربعة دونمات (أربعة آلاف متر مربع)، تنتشر أكوام من الأتربة والحجارة مقابل منطقة باب الرحمة والسور الشرقي للأقصى بطريقة تشوّه المكان وتحرم المصلين من الاستفادة من مساحته، نظرا لعرقلة الاحتلال إزالتها أو إعمار المنطقة، مما نأى بالمصلين بعيدا عنها لأعوام عديدة، حتى انطلقت مبادرات المصلين لإحيائها في العشر الأواخر من شهر رمضان الحالي.

"قُلبت المنطقة رأسا على عقب في يوم وليلة"، هكذا عبّر أحد المصلين عن دهشته بعد قيام مئات المصلين من الضفة الغربية والداخل الفلسطيني والقدس بترتيب منطقة باب الرحمة وتنظيفها وتحضيرها لاستقبال المصلين.

وأطلق المصلون حملة "رباط وفخار، تنظيف وإعمار"، التي بدأت في الجمعة الأخيرة وتوّجت بليلة 27 من رمضان، حيث أحياها المصلون بين أكوام الأتربة والحجارة حتى مطلع الفجر.

شهد شهر رمضان عدة حملات تطوعية في ساحات المسجد الأقصى بعضها بعيدا عن أعين الاحتلال (الجزيرة)

همم عالية
بمعدات بسيطة وهمم عالية أحاط المصلون -رجالا ونساء وأطفالا- تلال الأتربة والحجارة بسلاسل حجرية أطلقوا عليها اسم "تلال باب الرحمة"، وأقاموا على إحداها خيمة للإسعاف الأولي حملت اسم الشهيدة المسعفة "رزان النجار" في إشارة إلى شهيدة غزة، 
كما شكل المتطوعون ممرات حجرية لتمكين المصلين من أقصى استفادة لمساحات باب الرحمة.

غرس المصلون أيضا أشجارا من الزيتون لتُضاف إلى مئات الأشجار المتجذرة على مر عصور المسجد، والتي قاموا بتقليمها وإحاطتها بأحواض حجرية جمّلت شكل المنطقة. مما جمّل شكلها أيضا صناعة المصلين مقاعد وطاولات حجرية استخدمها المصلون لإفطارهم واعتكافهم..

لم تكن هذه الحملة هي الوحيدة بالأقصى في شهر رمضان، فقد سبقتها جولة إرشادية في منطقة باب الرحمة قام بها ناشطون مقدسيون وضمت عشرات الفلسطينيين الذين تمكنوا من الوصول إلى المسجد الأقصى في شهر رمضان، حيث بيّنت الجولة تاريخ منطقة باب الرحمة وبابها والمخاطر المحدقة بهما.

كما قام العديد من المصلين وعلى رأسهم المعلمة المقدسية خديجة خويص بإعداد موائد الإفطار في منطقة باب الرحمة ودعوة الصائمين إليها، لتصبح سُنة في باقي الليالي الرمضانية.

لم تغب مواقع التواصل الاجتماعي عن مشهد نصرة باب الرحمة، فقد أطلق ناشطون وسم "عند باب الرحمة اعتكافي"، ووسم"باب الرحمة إلنا"، للفت الأنظار إلى منطقة باب الرحمة والدعوة لإعمارها.

وعقد أيضا برنامج "الاعتكاف العلمي الأول" قريبا من المنطقة فوق المصلى المرواني" التسوية الشرقية" للأقصى، والذي ضم العديد من العلماء والمفكرين في ندوات ثقافية ودينية علمية بحضور المئات من المعتكفين بعد صلاة التراويح حتى الفجر.

استفاد المصلون المتطوعون من اكتظاظ المسجد الأقصى وأبوابه في شهر رمضان لإبعاد أعين الاحتلال عنهم، وضم العديد من الأيادي العاملة المخلصة إليهم، من الفلسطينيين الذين دخلوا المسجد بشق الأنفس؛ بسبب تشديدات الاحتلال ومنعه الكثير أهالي الضفة الغربية وقطاع غزة من دخوله.

ويتعرض باب الرحمة أحد أبواب المسجد الأقصى المشتركة مع سور القدس شرقا، لمخططات احتلاليّة عديدة للسيطرة عليها، بدءا من منع وعرقلة ترميم وتحسين المنطقة المحيطة به، وإغلاق القاعات الأثرية الكبيرة الملاصقة للباب، بالإضافة إلى تعمّد المستوطنين المقتحمين للمسجد التوجه إليها والقيام بصلواتهم أمامها وتلقي شروحات تاريخية عن هيكلهم المزعوم بحماية شرطة الاحتلال.

متطوعون أقاموا خيمة للإسعاف الأولي حملت اسم الشهيدة المسعفة "رزان النجار" (الجزيرة)

مطامع استيطانية
ويزعم المستوطنون أن باب الرحمة كان يستخدم مدخلا رئيسيا للهيكل، ويقفون بمواجهته كأنهم سيدخلون من خلاله إلى ما يسمونها "قدس الأقداس".

وتصب هذه المخططات في نيّة الاحتلال لتقسيم المسجد مكانيا وضم باب الرحمة والمساحة المهجورة حوله إلى سيطرته.

ولا تقتصر مخططات الاحتلال واعتداءاته على باب الرحمة من داخل المسجد الأقصى، وإنما تتعداها إلى خارج السور، حيث تقبع مقبرة باب الرحمة الأثرية (إحدى أهم وأكبر المقابر الإسلامية في القدس) التي تحوي رفات أهل المدينة وبعض الصحابة والعلماء والمجاهدين، وتتعرض أراضيها للمصادرة ومنع الدفن فيها، وقبورها للنبش والتكسير والانتهاك التي اشتدت وطأته منذ أشهر قريبة.

يذكر أن بناء باب الرحمة يعود إلى العهد الأموي وتم إغلاقه في العهد الفاطمي، كما يحتوي على قاعات كبيرة تعلوها قبة اختلى بها الإمام الغزالي وألّف فيها كتابه "إحياء علوم الدين"، والتي شغلت مكانا للعديد من المؤسسات الفاعلة المقدسية، التي حظرها الاحتلال وأغلق تلك القاعات بشكل نهائي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة