أطلس القدس.. في مواجهة التهويد   
الثلاثاء 4/12/1437 هـ - الموافق 6/9/2016 م (آخر تحديث) الساعة 19:32 (مكة المكرمة)، 16:32 (غرينتش)

عرض/ محمود الفطافطة

في محاضرة له بجامعة بيرزيت عام 1999، قال القيادي الفلسطيني الراحل فيصل الحسيني إن من أهم عوامل ضعف المفاوض الفلسطيني أمام نظيره الإسرائيلي افتقاره لأية خرائط واضحة تسعفه في تفنيد الروايات الإسرائيلية المختلقة بشأن القضايا الفلسطينية عامة، وقضايا القدس على وجه الخصوص.

العنوان: أطلس القدس

تأليف: جاد إسحاق، وليد مصطفى

منشورات: معهد الأبحاث التطبيقية "أريج" ـ القدس

الطبعة: الأولى/ 2015

عدد الصفحات: 248 من القطع الكبير

ولو شاءت إرادة الله أن يظل الحسيني حيا لأعرب عن سعادته لنشر "أطلس القدس"، وإن جاءت عملية النشر تلك متأخرة. فالعمل التوثيقي في تأريخ الخرائط المختصة بالقضية الفلسطينية يمثل محورا هاما في إطار "حرب المعلومات" الدائرة حول هذه القضية، ولا سيما المتعلقة بسعي الاحتلال الإسرائيلي لطمس وتهويد كل ما له صلة بفلسطين، سواء أكان ذلك مرتبطا بالمكان أو الإنسان.

فالمشروع الاستعماري الاحتلالي عمل على إنكار وطمس عروبة وإسلامية القدس عبر روايته "أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض"، معتمدا في ذلك على المكر والدهاء، ومستعينا بأدوات متعددة في الشكل والصورة والطريقة، منها: الأداة التوراتية والوعد فيها، والأدوات الأركيولوجية المحرفة، والتاريخية المزورة، وكذلك الأدوات السياسية والاقتصادية المؤدلجة صهيونيا.

غياب عربي
وفي الوقت الذي كان فيه المشروع الصهيوني يسير قُدما في أدواته المتعددة بهدف تجسيده في الأرض الفلسطينية، كان الدور العربي الرسمي غائبا بالكامل عن تلك الأدوات، باستثناء عدد لا يتجاوز أصابع اليدين ممن كرسوا جهودهم للتصدي لهذا المشروع في مجال التاريخ الفلسطيني وعلم الأركيولوجيا الفلسطيني.

وانطلاقا من ذلك، قام معهد "أريج" بمتابعة مشوار الباحثين الذين أكدوا أهمية الجغرافيا والتاريخ وتوأمتهما في الحقل الوطني، ليقرر مواصلة معركة البحث العلمي التنقيبي بهدف تثبيت وتأكيد الرواية الفلسطينية وحق الفلسطيني في أرضه ووطنه.

هذا المشوار بدأه المعهد من مدينة القدس، قلب الجغرافيا في فلسطين، ليتم تتبع هذه المدينة من العهد الكنعاني إلى العهد الراهن عبر الخرائط والملاحق المبرهنة على أحقية الشعب الفلسطيني بهذه الأرض.

في هذا الأطلس تتم رواية الحق والدور الحضاري للقدس، ولفلسطين عموما من دون أن يكون للعاطفة أو التعصب طريق في المنهج، ويتكون الأطلس من مقدمة، وثمانية فصول، إضافة إلى قائمة المراجع.

حزن وفرح
في المقدمة تطرق المؤلفان جاد إسحاق ووليد مصطفى إلى أهمية هذا العمل البحثي ومكانته في الحقل التوثيقي والمعرفي.

وهنا، نورد بعض ما جاء فيها "إنها لحظات من فرحٍ ممزوجة بدموع من حسرة في آن واحد، أما الفرح ولحظاته فمردهما صفحات هذا الأطلس التي تنتقل من عالم الضباب إلى عالم النور، لتكون رسالة إلى صناع القرار في فلسطين وفي عالمنا العربي، لعلهم يستعينون بموادها ومضامينها".

كما "هي رسالة إلى المتصفح الدولي بالأخص الأوروبي والأميركي منه لعله يصحح بها ما كرسته لديه الرواية الصهيونية المضللة، ورسالة ثالثة إلى الجيل العربي - الفلسطيني يتذكر بها تاريخا عميقا للقدس وفلسطين تجاوز الستة آلاف سنة".

وأما دموع الحسرة -يقول المؤلفان- فمرجعها الوضع المأساوي الذي آلت إليه مدينة القدس نتيجة الهجمة الصهيونية المسعورة والمتسارعة في تغيير معالم القدس العربية استيطانًا في القلب وفي المحيط منها، وتهويدًا وأسرلة، وتفريقا للسكان الفلسطينيين الأصليين حتى كاد الوجه العربي للمدينة يضيع بعد التشويه.

عنون الباحثان الفصل الأول من الكتاب بـ"6000 سنة من تاريخ القدس"، وتضمن عددا من الخرائط بدءا من حدود بلاد كنعان في العصر البرونزي (3200 ـ 1200 ق.م)، مرورا بالقدس اليبوسية في القرن الحادي عشر قبل الميلاد، ثم القدس في زمن المسيح ولاحقا زمن عمر بن الخطاب، وحديثا حدود القدس عام 1850 واتفاقية سايكس -بيكو (8 مايو/أيار 1916) وخطة التقسيم البريطانية المقترحة ـــ لجنة بيل 1937.

وتضمن هذا الفصل أيضا خطة لجنة الأمم المتحدة الخاصة بتقسيم فلسطين1947 وخطة الوكالة اليهودية المقترحة للتقسيم عام 1947 وقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة للتقسيم رقم 181 عام 1947، وخطة مندوب الأمم المتحدة برنادوت الثانية للتقسيم 16 أيلول 1948، وأخيرا كيان القدس المستقل 1947.

المخططات الهيكلية لمدينة القدس (الجزيرة)

مخططات هيكلية
أما الفصل الثاني فخُصص لـ"المخططات الهيكلية للقدس" وعددها 16 مخططا، وقد بين أن وضع المخططات الهيكلية لمدينة القدس بدأ بعد احتلال بريطانيا لفلسطين، حيث باشرت السلطات البريطانية وضع مخططات هيكلية حددت بموجبها استعمالات السكان للأرض، وممارستهم لمختلف النشاطات عليها.

وفي هذا الشأن، يعرض الأطلس مخططين إسرائيليين وضع الأول منهما إثر الحرب عام 1967 بهدف شمول التغيرات السياسية التي نتجت عن الحرب والاحتلال، وتبلغ مساحته 110905 دونمات، أما المخطط الهيكلي الثاني فيشمل القدس حتى 2020 وتصل مساحته إلى 142105 دونمات.

كما تضمن عددا آخر من المخططات، منها مخطط ماكلين الهيكلي لعام 1918، وكيندل لعام 1944، وراو الهيكلي لعامي 1948 و1949، وغيرها إلى أن يصل إلى مخطط هاشمشوني الهيكلي لعام 1968 في ظل الوضع الجيوسياسي الحالي، والمخطط الهيكلي الإسرائيلي حتى عام 2020.

البلدة القديمة
في الفصل الثالث تناول الأطلس البلدة القديمة في القدس، من حيث مواقع العديد من الأماكن الهامة وأبرزها: كنيسة القيامة، المسجد الأقصى، وغيرها من مواقع وأديرة وكنائس وبطريركيات ومساجد ومدارس في البلدة القديمة وأسواق وخانات وزوايا وغيرها.

يستعرض الأطلس في فصله الرابع التغيرات الجيوسياسية في القدس بين عامي 1947 و2013، متضمنا العديد من الخرائط.

كما يستعرض القرى الفلسطينية المدمرة في قضاء القدس عام 1948 والأحياء العربية واليهودية في القدس عام 1947، والأراضي المخصصة للدولة العربية وفق قرار الأمم المتحدة 181 للتقسيم لعام 1947 التي ضمتها إسرائيل بشكلٍ غير شرعي إثر حرب 1948.

وتناول الباحثان في هذا الفصل أيضا الحدود البلدية لمدينة القدس عام 1949 وتغيير حدودها بين عامي 1947 و2013، ثم حدود المجالس المحلية والقروية في محافظة القدس 2011 ومناطق العمران العربية في القدس الشرقية قبل حرب 1967، وطرق المواصلات في القدس الشرقية قبل عام 1967.

جغرافية محافظة القدس كانت محور الفصل الخامس من الأطلس، حيث تضمن حزمة من الخرائط بينها خطوط المرتفعات المتساوية في محافظة القدس والخريطة الجيولوجية وغيرها، كما تضمن هذا الفصل خرائط جيوسياسية.

الأطلس كشف المخططات الإسرائيلية لتهويد القدس (الجزيرة)

طمس الهوية
يعالج الباحثان في الفصل السادس من الأطلس مسألة طمس الهوية الفلسطينية في محافظة القدس من خلال تناول المناطق التي صادرها الاحتلال عام 1968، والممتلكات التي صودرت وهدمت داخل البلدة القديمة بين عامي 1967 و1969 والمستعمرات الاستيطانية المُقامة في المحافظة.

كما يتناول المواقع الاستيطانية والتوزيع الجغرافي للمستعمرات حسب تاريخ التأسيس والتوزيع الجغرافي للأراضي التي أعلنها الاحتلال أراضي دولة، والمخطط الهيكلي للقدس الكبرى عام 2013، إضافة إلى الأبواب الجديدة للقدس عام 2012 والجدار العازل وغيرها.

يتناول هذا الفصل بإسهاب صور طمس هذه الهوية، إذ يُشير إلى أنه منذ الأسابيع الأولى للاحتلال الإسرائيلي بعد عدوان 5 يونيو/حزيران 1967 شرعت الحكومة الإسرائيلية في اتخاذ تدابير سريعة بهدف تغيير معالم القدس وتهويدها لخلق وقائع يصعب تغييرها في المستقبل.

وذكر الأطلس من هذه التغييرات إعلان الكنيست عن إدخال القدس ضمن الولاية الإسرائيلية، وتوسيع حدود القدس الشرقية، والبدء في عملية مصادرة للأراضي في حدود القدس الشرقية الموسعة، واعتبار القدس كاملة وموحدة عاصمة لإسرائيل، ووضع مخطط القدس الكبرى الذي يرمي إلى زيادة مساحة القدس لتصل 229 كيلومترا مربعا.

القدس والمفاوضات
في الفصل قبل الأخير من الأطلس، يتناول الباحثان القدس في مفاوضات السلام، بدءا من اتفاقية أوسلو الأولى ( غزة-أريحا) في 4 مايو/أيار 1994 ثم اتفاقية أوسلو الثانية المؤقتة للقدس في 28 سبتمبر/أيلول 1995، ولاحقا مذكرة شرم الشيخ (المرحلة الثالثة) للقدس مارس/آذار 2000.

ويتضمن هذا الفصل كذلك الاقتراح الإسرائيلي للقدس المقدم في قمة كامب ديفد يوليو/تموز 2000 والاقتراح الإسرائيلي للقدس المقدم في قمة طابا 27 يناير/كانون الثاني 2001 والاقتراح الفلسطيني للقدس المقدم في قمة طابا 27 يناير/كانون الثاني 2001، وخطة مبادرة جنيف للقدس 1 ديسمبر/كانون الأول 2003 وخطة شارون للقدس (2005) وخطة أولمرت (2006)، ثم الاقتراحين الفلسطيني والإسرائيلي المقدمين في مؤتمر أنابوليس 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2007.

وفي الفصل الأخير من الأطلس تم عرض معالم أحياء القدس والبلدات والقرى في محافظة القدس للفترة من 1947 حتى 2013.

ويستنتج معدا الأطلس أنه رغم التشويه والتزوير لتاريخ فلسطين وحضارتها فإن الحق الفلسطيني والعربي والإسلامي في هذه الأرض لا يمكن لأحد أن يحجبه أو يتجاوزه، وما إصدار هذا الأطلس إلا حلقة من مسلسل الدفاع عن هذا الحق وتثبيته بالبراهين العلمية الموثقة.

وأكدا على أهمية مزيدٍ من تطوير الجهد البحثي والتوثيقي، لما لذلك من أثر هام في تفنيد الروايات الصهيونية المزعومة، وصولاً إلى إضعافها واندثارها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة