أبو رمزي يصنع الأقفاص منذ أربعين عاما   
الاثنين 1437/8/3 هـ - الموافق 9/5/2016 م (آخر تحديث) الساعة 13:01 (مكة المكرمة)، 10:01 (غرينتش)
فاطمة أبو سبيتان-القدس

في الطريق من باب الساهرة -أحد أبواب القدس القديمة- باتجاه باب حطّة، حيث الفلاحات الفلسطينيات إلى يسارك يفترشن الأرض لعرض ما لذّ وطاب من خضراوات بلادنا، وإلى اليمين عدد من المحلات التجارية والبقّالات المقدسيّة، حتى تصل إلى طريق القادسيّة؛ هناك محل صانع الأقفاص العم أبو رمزي بيبرس.

أبو رمزي (65 عاما) هو أحد حرّاس المسجد الأقصى المبارك، وهو من سكان البلدة القديمة في مدينة القدس، وله أربعة أبناء وأربع بنات. يصنع بيبرس يدويا في محلّه الصغير أقفاصا خشبية للعصافير، فيكوّن أشكالا جمالية تجذب المواطنين لشرائها.

منذ أكثر من أربعين عاما، يعمل بيبرس المقدسي صانعا للأقفاص. إنه لا يرسم، بل يخطّط بعقله، ثم يقوم بأخذ القياسات والقصّ والحفّ، حتى يحصل على قطع متساوية من الخشب، ليصبح التصميم الذي وضعه في رأسه بين يديه.

البداية "جكر"
ستون قرشا، كانت كفيلة بالتحدّي وصولا إلى الهدف، فقد كان العم أبو رمزي يهوى صيد العصافير منذ صغره، وعندما اصطاد أحدها في يوم من أيام طفولته، قرر أن يشتري قفصا، لكنّه تفاجأ بسعره الباهظ في ذلك الوقت (الستينيّات)، ليتحدّى صاحب المحل ويقوم بعمل قفص بيديْه ويضع فيه عصفوره.

أحفاد الحاج أبو رمزي بيبرس على خطى جدهم في صناعة الأقفاص (الجزيرة نت)

يقول أبو رمزي: "كانت لديّ هواية في صناعة الأشياء وتركيبها، وبعد أن وجدت أن سعر القفص الذي كنت أنوي شراءه باهظ جد، تحدّيت صاحب المحل وصنعت مثله تماما بأقل التكاليف، وأصبحت أصنع الواحد تلو الآخر هواية فقط، فبدأ الناس يطلبون منّي أن أصنع لهم أقفاص العصافير والحمام بالمواصفات التي يطلبونها".

يؤكد المقدسي أنه الوحيد الذي ما زال يمتهن صنع الأقفاص في مدينة القدس، ولم يرثها عن أحد، لكنّه ورث متجره عن جدّه، في حين ورّثَ أبناءه الثلاثة مهنة "النجارة"، ليصبحوا من أهم نجّاري المدينة.

يضيف: "فتحت هذا المحل ليس لأكسب، فأنا أعمل حارسا في المسجد الأقصى منذ نحو 43 عاما، بل فتحته لأنني أحب هذا العمل، وأجد نفسي فيه. وفي الوقت ذاته أكسب منه القليل مع مراعاة الوضع الاقتصادي، ومراعاة الأطفال أيضا ممن يهوون العصافير وصيدها، فأنا لا أنسى أنني يوما كنتُ مثلهم".

يوضح أبو رمزي أن الناس عموما يحبون كل ما هو مميز وغريب، لذلك هناك العشرات منهم يُحضرون بعض الصور لأقفاص ويطلبون مثلها تماما، لكنهم يريدونه "صنعا يدويا من الخشب" لا جاهزا، ومنهم من يترك الأمر له ولذوقه.

محل تجاري يملكه أبو رمزي صانع الأقفاص في القدس (الجزيرة نت)

مهنة الأحفاد
الطفل عبد ذو العشر سنوات، أحد أحفاد العم أبي رمزي، وكان يعمل معه أثناء مقابلته، وتبدو على ملامحه السعادة بما يفعل.

يقول الحفيد بافتخار إنه يحب أن يعمل مع جده في وضع القضبان الخشبية الرفيعة في المكان الثقوب، ليتكوّن في النهاية القفص الجميل.

ويتكلم الجد أيضا عن حفيده شكري (4 سنوات) الذي يسرع نحوه عندما يراه يفتح المحل، ويعمل ما يطلب منه بكل دقّة، لافتا إلى أن أحفاده جميعهم دون استثناء يتسابقون على العمل معه وتلبية طلباته.

رغم آهات القدس، فإن حكاية صانع الأقفاص المقدسي تعكس حجم الإصرار على البقاء، ولو كان الاحتلال وتقدم السن وقلة الإمكانات حجر عثرة في بعض الأحيان.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة