سوق أفتيموس بالقدس.. وضوح المعالم واندثار التفاصيل   
الخميس 1437/9/12 هـ - الموافق 16/6/2016 م (آخر تحديث) الساعة 13:39 (مكة المكرمة)، 10:39 (غرينتش)
أسيل جندي-القدس

لكل سوق في البلدة القديمة من القدس المحتلة عبق وطقوس ومعالم تُعيد زائريه لتاريخ أرض وقصة شعب يرويها الحجر والبشر الذين يتشبثون بالمدينة رغم الألم والظلم والاضطهاد.

في نهاية سوق خان الزيت وبداية سوق العطارين يؤدي السير باتجاه اليمين إلى أحدث أسواق البلدة القديمة، وهو سوق أفتيموس، الذي بُني على النمط الأوروبي، وحمل اسم الأرشمندريت اليوناني أفتيموس الذي بناه عام 1908، وكان ذلك بأمر من بطريرك الروم الأرثوذوكس أورليانوس في ذلك الوقت.

تبلغ مساحة سوق أفتيموس نحو 13 دونما وله أربعة مداخل تؤدي إلى ساحة مركزية تتوسطها نافورة مياه كلاسيكية تحتوي على تماثيل آدمية وحيوانية من مخارج مياهها على النمط الروماني، وكان السوق في الأصل وقف بيمارستان الإسلامي الذي يعود للفترة الأيوبية في عهد الخليفة صلاح الدين الأيوبي.

مُجمّع ديني
يقع في هذا السوق مسجد عمر بن الخطاب وأربع كنائس، من بينها كنيسة يوحنا المعمدان، وهي أقدم كنيسة للروم الأرثوذوكس في مدينة القدس، وبنيت في القرن الخامس الميلادي، وكنيسة القيامة التي تعد الكنيسة الأم للعالم المسيحي، وكنيسة الفادي اللوثرية الألمانية التي بنيت عام 1898، وكنيسة ألكسندر نيفسكي الروسية عام 1902.

دير مار يوحنا سربه أحد بطاركة الروم الأرثوذوكس لجمعية استيطانية (الجزيرة نت)

تغلغل الاستيطان في سوق أفتيموس كغيره من أحياء البلدة القديمة وأزقتها، حيث وضع المستوطنون أيديهم على بيت للضيافة داخل السوق بعدما سربه أحد بطاركة الروم الأرثوذوكس لإحدى الجمعيات الاستيطانية، ويحتوي على 36 غرفة مطلة على وسط السوق، وهي ممتلئة بالمستوطنين حاليا.

اشتهر سوق أفتيموس على مدار عقود بحرفة الدباغة، وكان يعج بالمحال التي تصنع المنتوجات الجلدية من حقائب وأحذية وملابس، لكن هذه الحرفة بدأت تتلاشى تدريجيا من السوق لعدة أسباب أبرزها إعاقة سلطات الاحتلال إدخال المواد الخام اللازمة للحرفة إلى المدينة وغزو ومنافسة البضائع المستوردة.

مع توالي الأحداث الأمنية التي أدت إلى تدهور الحالة الاقتصادية بالبلدة القديمة بالقدس، اضطر أصحاب سبعة محال تجارية لإغلاق أبوابها، بينما لجأ معظم تجار السوق لبيع التحف السياحية والمنتوجات الجلدية الجاهزة، بالإضافة إلى انتشار المطاعم والمقاهي في هذا السوق الذي يعتمد بشكل أساسي على السياح الأجانب.

ذكريات ثابتة
عمل المقدسي أبو هيثم مجاهد (67 عاما) في حرفة الدباغة منذ عام 1962 لكنه اضطر لهجرها عام 2000 مع اندلاع الانتفاضة الثانية، وغزو بضاعة الصين السوق المحلية.

مجاهد ورث صناعة الجلود عن والده لكنه هجرها وفتح محلا لإصلاح الحقائب والمنتجات الجلدية (الجزيرة نت)
ويستذكر مجاهد سنوات انتعاش الحرفة في القدس قائلا إنه ورثها عن والده لأنها كانت تعود بدخل وفير للأسرة، واعتاد أبو هيثم توزيع منتجاته من الأحذية الجلدية في كل من الخليل وطولكرم ونابلس ورفح والعريش، و"كانت جميع مدن فلسطين مفتوحة أمامنا من الشمال للجنوب، كنتُ أصل لرفح والعريش لتوزيع البضائع للزبائن وأعود بعد ساعات للقدس".

وتملك عائلة مجاهد محلا تجاريا واسعا في عقبة السرايا بالبلدة القديمة اتخذت منه مصنعا للأحذية الجلدية على مدار سنوات طويلة، لكنها اضطرت لإغلاقه بسبب تردي الحالة الاقتصادية وتراكم الضرائب التي يفرضها الاحتلال، التي تفوق جدواه الإنتاجية.

هجر مجاهد مصنعه واضطر لاستئجار محل صغير جدا في سوق أفتيموس يعمل فيه حاليا على تصليح الحقائب والملابس الجلدية، ويبدي مجاهد حزنه على اندثار حرفة الدباغة من القدس لأنها تراث، ومع ذلك يقول إنه متمسك بمحله للحيلولة دون تسريبه للمستوطنين.

يُودّع الزائر سوق أفتيموس وينتقل لسوق آخر في البلدة القديمة، قد يختلف كليا من حيث العمران وتفاصيل الحوانيت، لكنه يبقى شاهدا على أصالة هذه المدينة ومعالمها العربية التي تأبى التهويد والتشويه.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة