كُفَّ بصرهم لكن لم تكُف إرادتهم   
الأربعاء 4/8/1437 هـ - الموافق 11/5/2016 م (آخر تحديث) الساعة 14:08 (مكة المكرمة)، 11:08 (غرينتش)
فاطمة أبو سبيتان-القدس

تبدأ رحلته صباح كلّ يوم من قرية قطنّة شمال غرب مدينة القدس المحتلة، متّجها إلى مدينة رام الله، قاصدا زهرة المدائن. رحلة العم أبو حسن تستغرق أحيانا ساعتين وربّما أكثر، وذلك وفق الحواجز الإسرائيلية التي قد يجدها بشكل مفاجئ، ناهيك عن حاجز قلنديا العسكري شمال القدس، والذي يعاني منه الفلسطينيون بشكل كبير.

يسلك أبو حسن طريقه إلى مدينة القدس من كراج نابلس باتجاه باب العامود حتى طريق الواد وصولا إلى جمعية المكفوفين العربية، حيث يعمل هناك منذ نحو سنتيْن في صنع الفُرش والمكانس يدويّا.

"كنت في التاسعة من عمري حينما أمسكت به في أرضنا، هي عادتنا جميعا في صغرنا، استكشاف كل ما هو غريب، لكن وبمجرد أن قمت بتحريكه حتى انفجر ذلك الجسم المشبوه في وجهي، فأفقدني البصر، كما قُطّعت بعض أصابعي" يروي الفلسطيني محمود حسن طه (65 عاما) قصته مع فقدان البصر.

جمعية المكفوفين العربية تأسست بالقدس عام 1932 (الجزيرة نت)

إرادة
صحيح أن الانفجار حرم طه من البصر، لكنّه لم يحرمْهُ من البصيرة لإكمال مسيرته وطموحه، حيث تعلّم في مدرسة "هيلين كيلر" للمكفوفين في بلدة بيت حنينا شمالي القدس، كما حصل على الدبلوم المهني من مركز التدريب المهني، ليقوم بنفسه في تعليم المكفوفين وتشجيعهم على العمل، وعدم الاستسلام للواقع الأليم.

انتسب العم أبو حسن -كما يعرف بين الناس- لجمعية المكفوفين منذ سبعينيات القرن الماضي، لكنّه بدأ في عمل المكانس والفُرش في مقرّها منذ عامين تقريبا، قائلا إن العمل هو مصدر الحياة "وهذا يجعلني سعيدا جدا، فالعمل لا يرتبط بالسن الكبير أو بالعجز، فمن لديه إرادة وعزيمة فإنه سيحصل على ما يريده إنْ آمن وأيقن بأنه قادر على فعل كل شيء وأي شيء".

"أبو حسن" يُنجز عددا من المكانس والفرش يوميا، ويوضّح أن الخبرة في العمل تلعب دورا في الإنجاز والسرعة، فمن يعمل منذ عشر سنوات، يختلف عمّن يعمل منذ عامين، موضحا أنه يتقاضى أجره وفق ما ينتج من قطع.

وتأسست جمعية المكفوفين بالقدس عام 1932، وكان مقرّها بداية باب الخليل غرب القدس، على يد مجموعة من المكفوفين الذين فكروا في إيجاد عمل شريف يضمن لهم حياة كريمة كغيرهم، فوجدوا أن صناعة المكانس والفرش هي العمل الملائم لهم، وفق مديرة الجمعية نادرة بزبز.

وتضيف أن المؤسسة احترقت بالكامل في النكبة، فتم اتّخاذ وقفٍ يعود لعائلة مقدسية مقرا جديدا للجمعية التي باتت تضم اليوم 150 عضوا، ويعمل فيها 25 كفيفا من مناطق عديدة في الضفة الغربية المحتلة الذين يحضرون إليها بعد استصدار تصاريح من الاحتلال لدخول القدس.

توّضح بزبز أن من المكفوفين من لا يستطيع الحصول على تصاريح لدخول المدينة، أو أنّه لا يستطيع الوصول إلى القدس لأسباب معيّنة، وهنا تقوم الجمعية بدورها في تأمين المواد الخام له في بيته، ويعمل هناك، وعقب الانتهاء من العمل تقوم سيارة الجمعية بنقلها للقدس.

صناعة المكانس مهنة كثير من المكفوفين في فلسطين (الجزيرة نت)

منافسة
رغم أن جميع المواد التي تستخدمها جمعية المكفوفين في صناعة المكانس والفرش "طبيعية" ومن مواد زراعية، وذات جودة إنتاجية عالية، فإن القائمين عليها يشتكون منافسة البضائع المستوردة، وهو ما أدى إلى تراجع نسب المبيعات.

وتضيف مديرة الجمعية أن من أهم التحدّيات التي تواجه جمعيتها عدم دعم الإنتاج المحلّي من قبل التجار الفلسطينيين، سوى من بعض الجهات كبلدية رام الله المتعاقدة مع الجمعية بشكل دائم وتدعم بذلك هذه الصناعة، إلى جانب عدد قليل من التجار.

وتؤكّد أن هناك عزيمة وإرادة في نفوس هؤلاء المكفوفين لا ترى عند الأشخاص المُبصرين، فهم يُحبّون هذا العمل ويُنجزون بشكل كبير، لكنّهم بحاجة إلى من يدعمهم وأن يُحارب من أجل عدم اندثار هذه المهنة في ظل التطوّر التكنولوجي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة