الشهيد بهاء عليان وحكاية العشاء الأخير   
الثلاثاء 1437/7/6 هـ - الموافق 12/4/2016 م (آخر تحديث) الساعة 14:28 (مكة المكرمة)، 11:28 (غرينتش)
 فاطمة سبيتان-القدس

قبل ليلة واحدة من استشهاده، وتحديدا في 12 أكتوبر/تشرين الأول 2015، قال الشهيد المقدسي بهاء عليان بعد حديث مطول مع صديقه المقرب حمزة العبيدي، إنه سيزفه بنفسه بعد يومين على مدخل قاعة الأفراح في جبل المكبر إلى زميلته شذى التي يعتبرها بمثابة اخته.

اليوم التالي كان يوم حناء شذى، بادر بهاء أمه، الحاجة أم خليل، وطلب منها ترتيب قميصه ليذهب إلى الحفل. لم تكن الوالدة تدري بما يدور في خلد بهاء، فبادرته بثقافة المجتمع أن الرجال لا يذهبون إلى حفلات النساء، فأجابها أن العروس والعريس بمثابة أشقائه، فهيأته، وخرج لكنه لم يعد.

في التجهيزات لفرح شذى وحمزة، لم تجر الأمور على ما يرام، ولم يكتب للفرحة أن تتم، فقد استبق جبل المكبر في الجهة الجنوبية الشرقية للقدس زفاف حمزة وشذى بزفاف الشهيد مصطفى الخطيب، وعم الحزن الحي وسكانه في الوقت الذي كانت تستعد فيه لحفل وداع صغير في ديوان العائلة يسبق حفلي الحناء والزفاف.

زفاف آخر
في هذه الأجواء، ورد اتصال هاتفي لوالدة شذى، لكنها لم تجب نظرا لانشغالها، بينما رغبت شذى في تصفح حسابها على فيسبوك، لتجد خبر وقوع عملية فدائية قرب مستوطنة جنوب شرق القدس، دون أن يخطر ببالها من يكون المنفذ.

تواردت الأنباء إلى العائلة بأن المنفذ هو بهاء، صديق العروس، لكنها حاولت عدم التسليم بالخبر وأرادت التمهل لأنها لم تصدق أن شابا يستعد لزفاف زميلته المقربة يمكن أن ينفذ عملية فدائية.

الشهيد بهاء عليان استبق زفاف شقيقته بزفاف نفسه (الجزيرة)

توالت الأخبار تباعا: عملية مزدوجة داخل حافلة إسرائيلية في مستوطنة "أرمون هنتسيف" المقامة على أراضي جبل المكبر، هناك منفذان: أحدهما حي والآخر استشهد. ظلت العملية طي الكتمان بعد قرار حظر النشر الذي فرضته إسرائيل.

رويدا رويدا تكشفت هوية المنفذين؛ فكان أحدهما بهاء، والآخر بلال غانم، وجاءت عمليتهما بعد نحو أسبوعين من انطلاق هبة القدس أوائل أكتوبر/تشرين الأول 2015، وأوقعت ثلاثة قتلى ونحو 15 جريحا إسرائيليا.

علقت شذى كل فعاليات ومراسم زفافها، وبعد أن كانت العائلة وسكان الحي يستعدون لحفل الحناء، توافدوا إلى منزلها للمواساة في استشهاد بهاء، حينها لم يكن أمامها سوى التسليم بقدر الله وغياب بهاء إلى الأبد.

حلقة مفقودة
لم يكن بهاء عليان شخصا عاديا في مجتمعه، بل كان ذا بصمة واضحة في أغلب الأنشطة والفعاليات المقدسية، فكان فعالا في الأوساط الثقافية والاجتماعية، ونذر نفسه لخدمة مدينته وبلدته بما لديه من إمكانيات.

كان بها ناشطا في اتحاد الطلبة المقدسيين، ومبادرة شباب البلد، ومكتبة المكبّر، وشبكة المكبّر الإخبارية، وفي كل منها ترك بصمة واضحة، حتى إن أعضاءها يشعرون بحلقة مفقودة أثناء اجتماعاتهم.

الشهيد عليان ترك عشر وصايا على حسابه بفيسبوك (ناشطون)

امتاز بهاء بالحيوية والنشاط، وافتتح مطبعة سماها "مطبعة البهاء"، وحظي بأعلى رُتبة كشفية في فلسطين، وكان صاحب فكرة أطول سلسلة بشرية قارئة حول أسوار مدينة القدس، لكنه أراد مرتبة أعلى من هذا كله.

وكما تعلق بهاء بعائلته تعلق بأصدقائه، فقرر ألا يفارقهم قبل دعوتهم إلى مطعم ببلدة بيت صفافا جنوب القدس، وهناك دارت بين بهاء وأصدقائه أحاديث العزاب كالخطبة والزواج، فأبلغهم أنه التقاهم أول مرة في هذا المطعم، وأن هذا القاء سيكون الأخير، فظنوها دعابة، وأنه مقبل على الزواج، ولن يتمكن من الاجتماع معهم ثانية، لكن مراده كان مختلفا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة