سياسة هدم المباني المقدسية منذ عام 1967   
الأحد 1437/8/16 هـ - الموافق 22/5/2016 م (آخر تحديث) الساعة 12:59 (مكة المكرمة)، 9:59 (غرينتش)
معاذ الزعتري
مدير مؤسسة المقدسي
 
تسعى السلطات الإسرائيلية من وراء فرض القوانين على القدس الشرقية ومواطنيها الفلسطينيين، إلى تهويد المدينة وعزلها عن محيطها الفلسطيني كليا.
 
كما أنها تستهدف المساس بالوجود الفلسطيني في القدس، فتغلقها في وجه الفلسطينيين الراغبين في البقاء أو القدوم للإقامة فيها، وتدفع مواطنيها الفلسطينيين للهجرة القسرية جراء القيود المفروضة على البناء.
 
أما سياسة التخطيط المعمول بها منهجيا في القدس الشرقية، فهي عرقلة التطوير والبناء بالنسبة للفلسطينيين، وتسهيل المشاريع الاستيطانية على الأراضي التي يتم الاستيلاء عليها، مما يتسبب في انتهاكات خطيرة لحق الفلسطينيين في الملكية والسكن اللائق.

وفي الوقت الذي تحرص فيه بلدية القدس على إعداد المخططات الهيكلية للمستوطنات وفق أحدث معايير التخطيط العالمية، يتم العمل بالخرائط الهيكلية التي تم إعدادها قبل خمسين عاما في الأحياء التي يقطنها الفلسطينيون.

ويحول هذا دون البناء بالشكل الذي يستجيب لاحتياجات الفلسطينيين، فضلا عن محاصرة المستوطنات للأحياء الفلسطينية ومنعها من التطور والتوسع، لكونها تقطع التواصل بين المناطق الفلسطينية جراء الاستيطان. فالتلة الفرنسية تحول دون الترابط بين كل من الشيخ جراح ووادي الجوز والعيسوية وشعفاط، وجبعات همطوس وهار حوماه يمنعان التواصل بين بيت صفافا وصور باهر.

video

تمييز وعنصرية
وإذا كان الاستيلاء على الأرض الفلسطينية بمثابة أداة لسلبها وحرمان أصحابها منها، فإن المعايير المتبعة في التخطيط تمثل أداة للتمييز ضد الفلسطينيين وحرمانهم من حقوقهم الأساسية المتمثلة بحق السكن، والحق في النماء والتطور، والحق في بيئة سليمة ونظيفة.

أما مقارنة الأحياء الفلسطينية بالمستوطنات اليهودية في القدس، فتظهر بوضوح أن المستوطنات تستوفي أرقى وأحدث معايير التخطيط والبناء المعمول بها عالميا، وخاصة توفير البنية التحتية لها وافتتاح المدارس والروضات، في حين أن الأحياء الفلسطينية تخضع على الدوام لطائلة التهديد بهدم المنازل، وتعاني من غياب المرافق الحيوية ومن البناء العشوائي.

وجراء القيود المفروضة على البناء بالنسبة للفلسطينيين، فإن من شبه المستحيل الحصول على تراخيص البناء، مما يدفعهم للبناء دون ترخيص لتلبية احتياجاتهم من السكن وإيواء الأسر التي أضحت تعيش في حالة اكتظاظ.

أما تبرير رفض سلطات الاحتلال وبلدية القدس المصادقة على طلبات ترخيص البناء، فهو عدم حيازة مستندات تثبت ملكية مقدمي الطلبات للأرض المنوي البناء عليها. أما في حال تم إثبات الملكية، فإنه يتعين على الفلسطينيين الشروع بإجراءات معقدة وباهظة التكاليف، ويتم في معظم الأحيان رفض طلب الترخيص.

وفي غالبية الأحيان، يتم رفض طلب الترخيص بدعوى أن الأرض ضرورية للمنفعة العامة، أو للمشاريع الحيوية، أو بدعوى أنها مصنفة منطقة خضراء. هذه الظروف المأساوية تجبر عشرات آلاف الفلسطينيين على مغادرة المدينة والانتقال إلى الضواحي القريبة منها، أو الهجرة إلى الخارج. وتصبح المنازل المبنية دون تراخيص عرضة لأعمال الهدم من قبل سلطات الاحتلال، والتي تطبق على نطاق واسع.

ومما لا شك فيه أن الأهداف الحقيقية لسياسة هدم المباني التي تنتهجها السلطات الإسرائيلية في القدس تصب ضمن سياسة تحديد نسبة الفلسطينيين في المدينة بما يعادل 30% من العرب، مقابل 70% من اليهود خلال السنوات الراهنة.

video

الترخيص
منذ سيطرتها على القدس الشرقية عام 1967، انتهجت سلطات الاحتلال الإسرائيلي سياسة تخطيط تمثلت في إعاقة عملية التطوير والبناء لدى الفلسطينيين، فأجازت لهم البناء بالحدود الدنيا، في مقابل دعمها مشاريع الاستيطان، من خلال الاستيلاء على الأراضي التابعة للفلسطينيين، وتخصيصها لبناء المستوطنات اليهودية في الأرض الفلسطينية المحتلة عامة، وفي القدس على وجه الخصوص.

استهدفت هذه السياسات خنق المجتمع الفلسطيني في القدس، وبات الفلسطيني يواجه مختلف العراقيل للحصول على تراخيص البناء. وجراء رفض بلدية القدس إصدار تراخيص البناء في معظم الأحيان، يضطر الفلسطيني لبناء المسكن من غير ترخيص في سبيل إيواء أسرته، ليصبح تحت طائلة التهديد المستمر بالهدم.

وفي الوقت الذي تعرضت فيه آلاف المنازل الفلسطينية في القدس للهدم على أيدي سلطات الاحتلال بدعوى البناء من دون تراخيص، تعمل هذه السلطات وبلدية القدس على بناء وتوسيع المستوطنات والمشاريع المرتبطة بها في المدينة.

تعتبر سياسة هدم المنازل التي تنتهجها السلطات الإسرائيلية في القدس الشرقية بدعوى عدم وجود تراخيص، بمثابة انتهاكات خطيرة للقانون الدولي. وعوضا عن عدم وفاء دولة الاحتلال بالتزاماتها الناشئة عن قواعد وأحكام القانون الدولي الإنساني، وفي مقدمتها اتفاقية جنيف الرابعة، وتوفير احتياجات سكان الأراضي المحتلة بما يساعد في ضمان أمنهم وسلامتهم ورفاهيتهم؛ نرى أنها تتعمد انتهاج السياسات التي تستهدف وجودهم، وتعمل على تردي أوضاعهم، وتفاقم الأزمات والمشاكل التي تواجههم.

ونتيجة للظروف المعيشية القاسية وغير الإنسانية التي فرضتها سلطات الاحتلال على الفلسطينيين في القدس، أجبر عشرات آلاف الفلسطينيين إلى الانتقال من المدينة إلى الضواحي المحيطة بها، أو الهجرة إلى الخارج. أما الفلسطينيون الباقون في القدس، فيواصلون بناء المنازل دون الحصول على تراخيص، لتوفير المأوى لأفراد أسرهم.

من ضمن الذرائع التي تستخدمها سلطات الاحتلال الإسرائيلي لهدم منازل الفلسطينيين في الأرض الفلسطينية المحتلة -ومنها القدس- متطلبات الأمن (هدم المنازل لأسباب أمنية)، وذلك بالاستناد إلى أحكام المادة 119(1) من أنظمة الدفاع (الطوارئ) لعام 1945.

وتحت طائلة أنظمة الطوارئ، قامت قوات الاحتلال منذ عام 1967 بهدم وإغلاق عشرات آلاف المنازل الفلسطينية، وذلك في سياق سياسة الردع والعقوبات الجماعية لقمع احتجاجات الفلسطينيين، ومعارضتهم لسياسات الاحتلال ومقاومتها.

وتتعارض سياسة هدم المنازل وإغلاقها مع المعايير المنصوص عليها في مختلف الاتفاقيات والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، كما أنها تمثل انتهاكا جسيما لأحكام القانون الدولي الإنساني، بصفتها من أنماط العقوبات الجماعية التي تنتهجها دولة الاحتلال بمواجهة السكان المدنيين في الأراضي المحتلة، وتدخل ضمن نطاق جريمة الحرب، والجريمة ضد الإنسانية، وتمثل انتهاكا لحقوق الملكية، وعقوبة غير مشروعة بحق أطراف ثالثة.

video

غطاء قضائي
ومنذ أن مدت المحكمة العليا صلاحياتها لتشمل البت في المنازعات الناشئة بين سلطات الاحتلال الإسرائيلي من جهة وسكان الأرض الفلسطينية المحتلة من جهة أخرى، تثبت التجربة بما لا يدع مجالا للشك أن هذه المحكمة غير نزيهة، وتتقاعس عن تطبيق الحقوق الجماعية والفردية للفلسطينيين، حيث يتشبث قضاة المحكمة بموقفهم القاضي بعدم سريان اتفاقية جنيف الرابعة على الأرض الفلسطينية المحتلة.

وقد رفضت المحكمة النظر في التماسات الفلسطينيين وفقا لأسس القانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان، واقتصر تعاطيها مع أحكامها على الطابع الشكلي والانتقائي، وردت غالبية الالتماسات التي تطالب بوقف هدم المنازل بذريعة عدم انطباق القانون الدولي على الأراضي المحتلة، والامتناع عن التدخل في اعتبارات القادة العسكريين فيما يتعلق بتنفيذ سياسة هدم البيوت ومواصلتها، ومواصلة الاستيطان وبناء الجدار والاستيلاء على الأراضي، مما يشكك في جدوى رفع الدعاوى إلى هذه المحكمة.

نظرت المحكمة العليا في مئات الالتماسات التي تقدم بها الفلسطينيون بخصوص هدم قوات الاحتلال منازلهم، وتبنى قضاة المحكمة توجها مؤيدا لسياسة الهدم، وأجازوا للسلطات العمل بها في حال البناء دون ترخيص، و"لضرورات الأمن" تنفيذا لأحكام المادة 119(1) من أنظمة الطوارئ.

ويرفض قضاة المحكمة الأخذ بالادعاء القاضي بأن هدم المنازل يمثل عقوبة جماعية، ويبقي أسرة المتهم بارتكاب مخالفة أمنية دون مأوى، كما يرفضون طعون المدعين بوجوب قصر عمليات الهدم على المنازل التي يقطنها مرتكبو المخالفات بمفردهم، ويصرون على ضرورة الردع، بما يجعل مرتكبي المخالفات الأمنية متيقنين للضرر الذي سيلحق بأسرهم وعائلاتهم جراء الأعمال التي يقومون بها.

تعتبر سياسة هدم المنازل من أشكال العقوبات الجماعية، حيث إنها تطبق بحق أشخاص لا علاقة لهم بالمخالفة المرتكبة. بالرغم من ذلك، نرى أن المحكمة العليا الإسرائيلية بررت هذه الممارسات بأن أوجدت الغطاء "القانوني" الكفيل بجعل قوات الاحتلال تستمر وتتمادى فيها، حيث أقرت المحكمة بسريان أحكام المادة 119(1) من أنظمة الدفاع (الطوارئ) لعام 1945، وتجاهلت عدم جواز تطبيق أحكام هذه المادة قبل أن تتم إدانة المتهم بارتكاب مخالفة أمنية من قبل محكمة، أو ثبات استخدام المنزل المنوي هدمه من قبل مرتكب المخالفة، فأجازت هدم منازل الفلسطينيين بمجرد الشك بارتكابهم مخالفات أمنية، أو استخدام المنازل لتنفيذ تلك المخالفات.

تتعاطى المحكمة العليا في إسرائيل مع أنظمة الدفاع (الطوارئ) لحكومة الانتداب البريطاني على فلسطين كجزء من القانون المحلي الإسرائيلي، بدعوى أن هذه الأنظمة كانت نافذة عند الإعلان عن قيام إسرائيل عام 1948.

بعد احتلالها أراضي فلسطينية عام 1967، باشرت إسرائيل بوضع أنظمة الطوارئ موضع التنفيذ، وأخذت تطبقها بصورة غير مشروعة في الضفة الغربية وقطاع غزة، علما بأن سلطات الانتداب البريطاني كانت قد ألغت هذه الأنظمة بعيد انسحابها من فلسطين.

video

مخالفة جسيمة
تعتبر سياسة هدم المنازل غير شرعية، وهي منافية لأحكام القانون الدولي الإنساني وتحديدا تلك المنصوص عليها في اتفاقية جنيف بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب لعام 1949 (اتفاقية جنيف الرابعة).

وفقا لأحكام القانون الجنائي الدولي، يعتبر هدم المنازل على نطاق واسع عملا غير مشروع، ومخالفا للقانون الدولي.

كما تمثل سياسة هدم المنازل التي تنتهجها قوات الاحتلال الإسرائيلي جريمة ضد الإنسانية، باعتبارها اضطهادا للسكان المدنيين الفلسطينيين دون وجود ضرورة عسكرية تستدعي القيام بذلك.

وحدد النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية أركان جريمة اضطهاد أية جماعة محددة أو مجموع محدد من السكان، لأسباب سياسية أو عرقية أو قومية أو ثقافية أو دينية.

ووفقا لذلك، يتبين أن سياسة هدم البيوت العقابية التي تمارسها قوات الاحتلال بشكل منهجي وواسع بمواجهة السكان الفلسطينيين، تتضمن كافة أركان جريمة الاضطهاد بصفتها جريمة ضد الإنسانية. فبارتكاب هذه الجريمة، تكون سلطة الاحتلال وقادتها قد عاقبت السكان الفلسطينيين الذين لم يرتكبوا مخالفات أمنية، بأن حرمت عشرات الآلاف منهم من حقوقهم الأساسية بما يتعارض مع القانون الدولي.

video

معطيات
هدمت سلطات الاحتلال منذ عام 1967 وحتى نهاية عام 2015 أكثر من ألفي منشأة سكنية وغير سكنية، مما أسفر عن تشريد آلاف الفلسطينيين. وتشير الإحصائيات أن أكثر من نصف الذين تم تشريدهم هم من النساء والأطفال.

ومنذ بداية العام الحالي وحتى منتصف شهر فبراير/شباط 2016، هدمت سلطات الاحتلال 17 منشأة سكنية وغير سكنية، مما أسفر عن تشريد عشرات العائلات.

وتشير إحصائيات مؤسسة المقدسي إلى أن عمليات هدم المنازل -وبالأخص الهدم الذاتي- هي الأخطر والأشد وتيرة، فمنذ عام 2000 وحتى عام 2015 أقدمت سلطات الاحتلال على إجبار 346 مواطنا على هدم منازلهم بأيديهم.

وخلال دراسة أعدتها مؤسسة المقدسي في عام 2012، وصل إجمالي مساحات المنازل التي هُدمت (المنازل السكنية سواء أكانت قيد الإنشاء أو مسكونة) إلى نحو 24 ألفا وستمئة متر مربع، وبلغت مساحة المنشآت غير السكنية إلى 1974 مترا.

وعند حساب الخسائر الاقتصادية التي تكبدها المواطنون من جراء هدم المنازل السكنية، يتبين أنها وصلت إلى أكثر من مليون وسبعمئة ألف دولار أميركي، بينما بلغت الخسائر من جراء هدم المنشآت غير السكنية نحو مليون دولار.

وبالمجموع الإجمالي، بلغت الخسائر المالية مليونين وسبعمئة ألف دولار أميركي، وهذا بالطبع لا يشمل المبالغ المالية الطائلة التي تفرض كمخالفات وغرامات مالية.

إن تكاليف الحصول على ترخيص للبناء في مدينة القدس يعتبر من الأغلى ثمنا بين دول العالم والأطول وقتا، حيث يتراوح معدل السنوات للحصول على ترخيص بين 8 و12 سنة، أما في ما يتعلق بتكلفة الترخيص المالية فإنه يختلف من منطقة إلى أخرى.

وعليه فإن معدل ترخيص شقة سكنية بمساحة 110 أمتار مربعة يتراوح بين ستين ألف دولار أميركي وسبعين ألفا. ناهيك عن بعض الضرائب والرسوم التي يتوجب على المواطن المقدسي دفعها بعد عملية البناء.

هذه سياسة متبعة من قبل بلدية الاحتلال من أجل إفراغ المدينة من سكانها الأصليين، ويقع هذا كله على كاهل المواطنين المقدسيين وحدهم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة