مبعدات يرابطن على أبواب الأقصى   
الخميس 1437/7/7 هـ - الموافق 14/4/2016 م (آخر تحديث) الساعة 13:26 (مكة المكرمة)، 10:26 (غرينتش)
فاطمة سبيتان-القدس

رغم فارق السنّ بينهما، فإنّ ارتباطهما بالمكان أكبر من ذلك. مرابطتان مقدسيتان تتسامران في وجعهما طيلة الليل. هل سنعود يوما حيث كنّا وحيث زاويتنا التي كنّا نجلس فيها ساعات الفجر؟ هل سنعود لتلك الأيام التي نسمّع فيها سويا وِردا من القرآن الكريم وبعض الأذكار، هل سنبقى طيلة العمر نُحرم دون وجه حق من الوصول إلى أبوابه؟!

هكذا تتساءل سميحة شاهين (في خمسينيات العمر) ونهلة صيام (في العشرينيات) المرتبطتان بكل زاوية من المسجد الأقصى المبارك، واللتان أبعدتهما شرطة الاحتلال منذ شهور، إلا أنهما مستعدّتان للتضحية بروحيهما من أجل أن ينال الأقصى والقدس الحريّة والتخلّص من "دنس المستوطنين"، كما تقولان.

تقول نهلة صيام "أدقُ باب الذكريات علّها تخفّف عنّي ألم البُعد، علّها تروي عروقي التي جفّت من برد الشتاء وأنا مُبعدة قسرا عن أغلى مكان على الأرض، لكنّي سأقول دوما: قف على أبواب أقصاكَ.. وقاوِم، فالرّباط في سبيل الله هو الغاية".

برنامج الرباط
وتضيف: "كنا نتحضّر لصلاة الفجر أنا وعائلتي، نهمّ مسرعين إلى الحبيب، وبعد مضايقات من قبل شرطة الاحتلال لتسليم هويتي على الأبواب، أصلّي وعائلتي الفجر جماعة، ثم نبقى في الأقصى وباحاته حتى بزوغ الشمس، وفي هذه اللحظة نذهب إلى القبّة الذهبية حيث الحمام لتبدأ عملية المطاردة ونسيان أنفسنا، ونعود أطفالا كما كنّا يوما، ثم نأخذ الصور التذكارية معه وخلفنا قباب الأقصى وزواياه المُثيرة".

video

تعتبر نهلة صيام المسجد الأقصى بيتها الأول. وتقول إنها كانت تقضي فيه نصف يومها، فتقرأ وِرْدها وتحفظ القرآن في المسجد القِبلي، وتراجع ما حفظته من آيات في باحاته، ثم يصدح صوتها وأخواتها بالتكبير تصديا لمن دنّس المكان، كلّ ذلك برفقة سميحة شاهين التي كانت تجمعهما زاوية من زوايا المسجد شكّلت مكانا مميّزا لديهما.

تضيف المرابطة المقدسية المبعدة أنها كانتُ تصلّي الضحى في المسجد القبلي الذي تعلّقت فيه في بالآونة الأخيرة قبيل إبعادها، أما اليوم فتمنع من الصلاة عند أبوابه. وتقول: "كنتُ أحتمي بمصلّياته من البرد ما بين الفجر وما قبل بزوغ الشمس بقليل، أمّا اليوم فنحن في العراء في "باب حطّة" لا يُدفئ قلوبنا سوى كلمات الذكر وتشجيع بعضنا بعضا على الثبات والرباط".

أما أكثر المواقف إيلاما، فتقول للجزيرة نت إنها حين ترى عائلتها تتحضّر للخروج لأي صلاة دونها.

وتتابع: "ياه، كم أشتاق للأقصى، كم أشتاق لشجرة الزيتون التي كنا نجلس تحت ظلّها، كم أشتاق ليوم كنا نُداعب فيه نسمات الصباح العليلة في باحاته، كم أشتاق للحديث إلى معلّمتي التي كنتُ أتطفّل عليها وأُلهيها عن عملها اليومي، ثم أتسحّب كأنني لم أفعل شيئاً".

لم تكن المرابطة تتوقّع يوماً في حياتها أن يسلبها "من طغى وتجبّر وقتل الأبرياء" حقها في العبادة، متسائلة: ما معنى أن يُبعِدَ ذلك المحتل أكثر من 55 مقدسيا عن المسجد الأقصى، بحجة إثارة الشغب وما يسمى إعاقة الزيارات "من يُثير الشغب هو من يدنّس مكاناً طاهراً ليس له، ويسلب أرضاً ليس له فيها أي حق" في إشارة للاحتلال.

أما سميحة شاهين فهي أمّ عانت من الاحتلال وما زالت صامدة، ورغم كل فترات الإبعاد إلا أنها تحس بأمل داخلها ما زال يقول لها: هيّا انهضي ولا تتوقّفي.. فالنصر آتٍ لا محالة".

وتابعت: "ضرب وتنكيل وإبعاد منذ خمسة شهور وأكثر.. يضعوننا في لائحة أسموْها بالسوداء. ثم تساءلت: هل قام أحد المسؤولين وصرخ "لا" في وجههم؟ إلى متى سيظل هذا الظلم يلاحقنا؟

مجموعة من المرابطات المبعدات عن المسجد الأقصى بالقرب من باب حطة المؤدي للمسجد الأقصى (الجزيرة نت)

حتى يوم الدين
وتحدثت سميحة شاهين عن عقوبات جماعية يمارسها الاحتلال. وقالت إن الإسرائيليين لم يكتفوا بالإجراءات القمعية "بل يحاربوننا في البنية التحتية لمنازلنا من تأمين وطني وصحي وغيره، ويلاحقون أزواجنا وأولادنا ويعتقلونهم".

وتستذكر ملاحقة وضرب المرابطات على أبواب الأقصى، ومع ذلك تتمسك بالتواجد هناك "حتى يوم الدين في الحرّ والشتاء، ولن يثبّطوا من عزائمنا".

وعن تجربة اعتقالها، تقول: كنت أُصلّي في أحد مراكز الشرطة وهو "بيت إلياهو" القريب من "باب السلسلة" أحد أبواب المسجد الأقصى، لكن قلبي وروحي مع أخواتي.. إنهم يعتقدون أنهم بسياسة الاعتقال والإبعاد سيبعدوننا لكنّهم لا يعلمون بأننا نتخطّى بأرواحنا وقلوبنا كل حواجزهم".

تؤكد سميحة شاهين أن الدماء والأرواح والأولاد فداء للقدس والأقصى، "فالمسجد حق خالص لنا ولا مكان لهم فيه".

وكثفت سلطات الاحتلال مؤخرا من استهدافها النساء المقدسيات، لكن عام 2015 كان الأعنف حيث اعتقلت 219 سيدة فلسطينية، مقارنة بعام 2014 الذي اعتقلت فيه قوات الاحتلال 69 سيدة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة